السودان – هندسة العمر وفلسفة الزمن كيف يبني الزمن الوجود الإنساني؟

أخبار السودان25 يوليو 2026آخر تحديث :
السودان – هندسة العمر وفلسفة الزمن كيف يبني الزمن الوجود الإنساني؟

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-23 12:19:00

بقلم: السير جميل الحديث عن الزمن ليس مجرد الخوض في مفهوم فيزيائي مجرد، كما أنه ليس ترفاً فكرياً يتمتع به الفلاسفة. بل هو غوص في جوهر الوجود الإنساني نفسه. الوقت هو الوعاء الذي تصب فيه أفكارنا وأفعالنا ومشاعرنا، وهو المادة الخام التي يصنع منها مصير الإنسان. في الواقع، الحياة ليست سوى ثواني ودقائق تتراكم. من أدرك قيمة اللحظة فقد استوعب فلسفة الحياة، ومن أضاع ثوانيه تسرب كيانه من بين يديه دون أن يشعر. تتجلى ثقافة احترام الوقت في أجمل صورها عندما تتحول إلى أسلوب حياة واستراتيجية وجود. ولعل الاستعارات الحديثة توضح هذه الفلسفة. يقال إن النجمة الثلاثية الشهيرة لشعار شاحنة وسيارة مرسيدس الألمانية، ترمز في أحد دلالاتها الفكرية والتنظيمية، إلى تقسيم يوم الإنسان (24 ساعة) إلى ثلاثة أجزاء متساوية ودقيقة: ثماني ساعات للنوم والراحة لتجديد طاقة الجسم، وثماني ساعات للعمل والإنتاج لبناء الحياة وإسكان الأرض، وثماني ساعات للعلم والمعرفة وتطوير الذات. وهذا التقسيم الثلاثي المتقن يمثل معادلة متوازنة تجعل من الإنسان كائناً منتجاً بلا تعب، ومتعلماً بلا تفريط، وكائناً مرتاحاً بلا خمول. ولم يتوقف الترتيب الزمني عند حدود يوم واحد، بل امتد إلى هندسة عمر الإنسان بأكمله. لقد جعل الله الحياة مراحل متتالية؛ يبدأ بالطفولة والشباب حيث الغرس والتعلم، ثم يشتد في الشباب حيث القوة والإنجاز والعطاء، وينتهي بالشيخوخة والحكمة والراحة. كل مرحلة لها وقتها الخاص ومهام محددة. وعلى الرغم من أن التعليم مصدر مستمر طوال حياة الإنسان، إلا أن تأثيره في مرحلة الطفولة أعمق ويدوم. وحتى لو كان العمل ثابتاً، فإن قدرة الشاب على الإنجاز والابتكار خلال فترة شبابه تختلف عن الفترات الأخرى. وهي مراحل ليست مترادفة، ولا يمكن استبدال مرحلة بمرحلة أخرى. ومن ضيع شبابه في اللهو واجه الشيخوخة بالندم. ولعل أبرز ما يجسد قيمة الوقت والانضباط به هو التشريع الإلهي والعبادة. ولم يترك الإسلام العبادة لأهواء النفس أو الترفيه الزائد، بل سيطر عليها بجدول زمني صارم. وانظر إلى الصلاة كيف وصفها القرآن الكريم في خطابه للمؤمنين – حيث الإيمان يزيد الوعي والانضباط – في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مِّنْصُورًا}؛ وهي فريضة لها وقت محدد لا يجوز تأخيره، ولها أوقات طيبة لا ينبغي تفويتها. وكذلك الأعمال التطوعية والأفكار والتطوعات لها أوقات محددة تحكمها. ويتجلى هذا الانضباط في الصوم بشكل أوضح. الصيام عبادة عظيمة يثاب عليها العبد، لكن إذا صام يوم العيد -وهو وقت الفرح والفطر الذي حدده الشرع- فإنه يأثم بدل أن يؤجر! وهذا يدل على أن العبادة ليست مجرد عمل مجرد، بل هي “عمل في وقته المحدد”. الالتزام بالوقت هو جوهر الطاعة. حياتنا ليست ملكًا لأهواء النفس العابرة، ولا لفضول القول والعمل، بل هي التزام صارم بمسؤوليات وواجبات في أوقات محددة. وقد قيل قديماً في آيات الحكمة: “الزمن كالسيف إن لم تقطعه قطعك”. فهو كائن لا ينتظر أحداً، ولا يقبل المساومة. إن أكثر ما يحزن الإنسان هو إضاعة هذا العمر في أشياء لا فائدة منها ولا فائدة منها مما يرجى، وهو هدر سنحاسب عليه يوما ما بين يدي خالق الزمن. وبهذا الانضباط الجاد، فإن فلسفة الزمن لا تعني الجفاف أو الغرق في الآلية؛ بل إن الترفيه الهادف وممارسة الرياضة وراحة البال جزء لا يتجزأ من إدارة الوقت متى وُضعت في مكانها الصحيح وبطريقة متوازنة. النجم الذي لا يهدأ يضمحل، والعقل الذي لا يهدأ يصبح بليدًا. الوقت هو رأس مالك الحقيقي الوحيد في هذا العالم. وإدارتها ليست مجرد مهارة جانبية مكتسبة لزيادة الإنتاجية، بل هي موقف أخلاقي وإيماني من الوجود. إن استثمار كل مرحلة من مراحل الحياة في وقتها المناسب، وكل ساعة من اليوم في مكانها الصحيح، هو السبيل الوحيد لترك أثر حقيقي وعيش حياة مليئة بالإنجاز والطمأنينة. elsir90@hotmail.com المؤلف

اخبار السودان الان

هندسة العمر وفلسفة الزمن كيف يبني الزمن الوجود الإنساني؟

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#هندسة #العمر #وفلسفة #الزمن #كيف #يبني #الزمن #الوجود #الإنساني

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل