اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-13 10:51:00
الأمم المتحدة: على مشارف مدينة بيالي الأوغندية، حيث تتناثر الخيام وتلتقي الطرق الترابية بالمساحات الخضراء المفتوحة، يبدو مخيم كرياندونغو وكأنه مسافة بين الماضي المكسور والحياة التي يتم تجديدها. في هذا الركن البعيد من اللجوء، لا تنتهي القصة بالهروب من الحرب، بل تبدأ مرحلة أخرى، لا تقاس فيها الأيام بالدقائق والساعات، بل بما تحمله من مآسي وتحديات كبيرة. ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، أفاد مسؤولون محليون أن نحو 600 ألف لاجئ سوداني وصلوا إلى المخيم، بعضهم بعد رحلات طويلة ومرهقة عبر أكثر من دولة. لقد حملوا معهم أمتعة قليلة وذكريات كثيرة، والآن يحاولون إعادة حياتهم إلى نصابها الصحيح. منظر بانورامي للمناظر الطبيعية الريفية في بيالي، أوغندا، يتميز بطريق ترابي واسع مع هياكل مؤقتة على كلا الجانبين، وأشجار متناثرة، وجبال في الأفق تحت سماء ملبدة بالغيوم. وفي مخيم كرياندونغو – الذي يبعد حوالي 275 كيلومتراً عن كمبالا – يعيش اللاجئون من بلدان مختلفة، من السودان وجنوب السودان وبوروندي وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، بالإضافة إلى المجتمع المضيف. لكن ما يجمعهم أكبر من اختلافاتهم: تجربة الخسارة، ومحاولة البدء من جديد. وفي محاولة لتقريب المشهد ونقل الصورة كما هي، توجهت أخبار الأمم المتحدة إلى المخيم، لرصد تفاصيل حياتهم اليومية ومعرفة أبرز التحديات التي يواجهونها منذ فرارهم من الحرب. من قاعات الهندسة إلى خيمة اللجوء رجل ذو شارب وشعر قصير، يرتدي قميصاً وردياً، يجلس على كرسي أزرق ويتحرك وهو يتحدث. خلفه، تسير امرأة ترتدي قميصًا أحمر أمام مبنى من الطوب في منطقة ريفية. حسين هاشم تيمان يعيش حياة لم يتخيلها قط. مهندس مدني حاصل على درجة الماجستير، كان يعمل في قسم الهندسة المدنية في البعثة المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد)، لكنه اليوم يجلس داخل خيمة، ويترأس مجتمع اللاجئين السودانيين في مخيم كرياندونغو، أحد أكبر مخيمات اللاجئين في أوغندا. وكان حسين تيمان يعيش في مدينة أم درمان، قبل أن يضطر إلى الفرار مع أطفاله في مايو/أيار 2023 إلى جنوب السودان ومن ثم إلى أوغندا، وهي رحلة قال إنها كانت مليئة بالخوف والمضايقات والانتهاكات. وقال لأخبار الأمم المتحدة إنه أصيب بخيبة أمل كبيرة وانتكاسة لأن الحرب جعلته يخسر كل شيء. وأضاف: “هنا عندما تشتكي تجد أن مصيبة أحد أكبر من مصيبتك، فتحاول أن تنسى مصيبتك من أجل التخفيف من مصيبته. نحن نستمد قوتنا من بعضنا البعض. أحياناً نجلس كمحترفين ونتحدث عن ماضينا وأمجادنا. نحن الآن نعيش وضعاً عكس ما عشناه من قبل. أنا الآن أعيش في خيمة، لكن هذه هي لغة الحرب وهذه إفرازاتها”. ومع مرور الوقت، لم تتحسن الظروف كما كان يأمل الكثيرون. بل على العكس من ذلك، يبدو أن التحديات تتزايد. ويتحدث حسين عن تراجع المساعدات، وعن الخيام التي كان من المفترض أن تكفي لستة أشهر، لكنها ظلت الملجأ الوحيد لأكثر من ثلاث سنوات. الخدمات محدودة، إن لم تكن معدومة تقريبًا. فلا توجد رعاية صحية كافية، ولا تعليم منتظم، وحتى الماء والغذاء أصبحا مسؤولية مشتركة بين اللاجئين أنفسهم. ويحذر حسين تيمان من أن مستقبل جيل كامل على المحك، معرباً عن أمله في أن يحظى وضع اللاجئين السودانيين في أوغندا باهتمام أكبر من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. وعندما يصبح الغذاء مسألة حياة أو موت في مواجهة هذا الواقع الصعب، ظهرت مبادرات بسيطة في الشكل، لكنها عميقة في تأثيرها. ومن بينها المطابخ المجتمعية، التي تم إطلاقها استجابة لحاجة ملحة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى شريان حياة يساهم في إنقاذ لاجئي كرياندونغو من الجوع. ويبلغ عدد المطابخ المجتمعية داخل المخيم 20 مطبخاً، وقد ساهمت في الحد من الجوع بين اللاجئين السودانيين وخلق التماسك الاجتماعي بينهم. معتصم محمد أحمد، الذي ينحدر من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، كان يعيش في الخرطوم ويعمل في التجارة بين السودان والصين ودبي، قبل أن تغير الحرب مجرى حياته تماما، فأصبح لاجئا في أوغندا منذ عام 2023، ويتولى اليوم مهام أمين المطابخ المجتمعية داخل المعسكر. ويروي كيف بدأت الفكرة: “تم إنشاء هذه المطابخ بعد تخفيض برنامج الغذاء العالمي للحصص الغذائية، ولاحظنا حالات سوء تغذية بين سكان المخيم، كما حدثت وفيات وإجهاضات بسبب الجوع”. يقول معتصم إنه تعلم الكثير من خلال عمله في هذه المطابخ: “العمل في المطابخ المجتمعية علمني أن أكون إنساناً. ترى الناس جياع وعراة هنا، وإذا لم يكن لديك إنسانية بداخلك، لا يمكنك أن تشعر بذلك. أشعر بهذه الطريقة تجاه عائلتي السودانية، فهي دمي ولحمي”. “لقد نجونا… لمساعدة الآخرين.” ومن العاصمة كمبالا، حيث تقيم اليوم، تحرص الدكتورة وداد مكي على قطع مسافات طويلة للوصول إلى مخيم كرياندونغو، ليس لأنها تعيش هناك، بل لأنها اختارت أن تكون إلى جانب من يعيشون داخله. كانت وداد أستاذة جامعية ومديرة سابقة لقسم التربية الخاصة بولاية الخرطوم، لكن الحرب غيرت مجرى حياتها بالكامل. تتذكر لحظة خروجها من منزلها وسط القصف: “كان من الصعب عليّ أن أخاطر بأطفالي وسط إطلاق النار والدخان المتصاعد في كل مكان والسيارات المحروقة والجثث الملقاة في الشوارع. لقد عانى أطفالي كثيراً من هذه المشاهد. كنت أطلب منهم تغطية وجوههم حتى لا يرون هذه المشاهد”. تعيش وداد اليوم في كمبالا، لكن ارتباطها بالمخيم وثيق. وتزورها بانتظام للمساهمة في دعم اللاجئين، خاصة من خلال العمل مع “منظمة الملام دارفور للسلام والتنمية”. وتقول إن الحرب لم تدمر المدن فحسب، بل شتّتت العائلات أيضًا. ورغم كل ما مرت به، اختارت عدم الوقوف متفرجة. وتشرح ذلك لأخبار الأمم المتحدة بقولها: “لقد نجونا ووصلنا بأمان إلى أوغندا، والآن نقدم يد العون لإخواننا السودانيين في مخيمات اللاجئين هنا. نحن ندعم المطابخ المجتمعية ونقدم وجبات متكاملة للاجئين هنا في كرياندونغو”. ولا تخفي وداد قلقها من إطالة أمد الأزمة، مشيرة إلى التحديات المتزايدة التي تواجه اللاجئين في أوغندا. وتقول: “أكبر مخاوفنا هو أن تطول هذه الحرب لأن هناك تحديات كثيرة هنا في أوغندا، من التعليم إلى سبل العيش والإيجارات، ولا توجد مصادر دخل أو فرص عمل. نحلم يوميا أن تتوقف الحرب حتى نتمكن من العودة إلى السودان”. الأطباء اللاجئون يدوطن نيوز القطاع الصحي في أوغندا. وبعيداً عن المعسكرات، تبدو الصورة مختلفة بعض الشيء في العاصمة كمبالا، حيث تمكن بعض السودانيين من استعادة جزء من حياتهم المهنية وإعادة بناء مساراتهم رغم آثار الحرب. وفي إحدى مستشفيات المدينة يقف الدكتور عبد الجبار أحمد آدم مرتدياً معطفه الأبيض، يعالج الجروح ويخفف الألم. وجد أخصائي الطب الباطني، الذي كان يعمل في مستشفى ابن سينا للجهاز الهضمي بالعاصمة السودانية، نفسه على طريق جديد منذ وصوله إلى أوغندا عام 2023، عقب اندلاع الحرب. وقال لأخبار الأمم المتحدة، حيث يواصل تقديم الرعاية الطبية للمرضى من جنسيات مختلفة، وليس السودانيين فقط: “وصلت إلى كمبالا بعد اندلاع الحرب، وبدأت العمل في مستشفى غومبي”. ويشير إلى أنه وجد بيئة ترحيبية وداعمة: “استقبلتنا أوغندا بشكل جيد، والعمل هنا جيد، ولا يوجد أي تمييز… ولم نشعر بأي معاناة، بل نشعر وكأننا في السودان”. ولم يكن عبد الجبار وحده في هذه التجربة، إذ انضم إليه عدد من الكوادر الطبية السودانية الذين وجدوا في أوغندا فرصة لمواصلة العمل. ويقول: “يوجد هنا العديد من الأطباء السودانيين، وبعضهم افتتح مراكز طبية تقدم الخدمات”، لافتاً إلى أن وجودهم لم يكن مجرد محاولة للتأقلم، بل تحول إلى إضافة حقيقية للقطاع الصحي. ويضيف: “أوغندا لديها مستشفيات جيدة، لكن التحدي يكمن في قلة الكوادر، وهنا جاء دور الأطباء السودانيين الذين ساهموا في الارتقاء بالخدمات الطبية، فالمرضى من مختلف الجنسيات يأتون إلينا”. وفي حين يعتمد بعض اللاجئين على المساعدات، يحرص عبد الجبار على التأكيد على أن الصورة أوسع من ذلك: “ليس كل من يأتي يعتمد على المساعدات.. هناك مهنيون وتجار وأشخاص ذوو خبرة في مجالات مختلفة”. “القلب الأبيض”: قصة تتجاوز الحرب إبراهيم زكريا يحيى هو لاجئ سوداني آخر استقر في بلدة بيالي، بالقرب من مخيم كرياندونغو. ويروي فصولاً من رحلة طويلة امتدت لسنوات من النزوح ومحاولات الاستقرار. غادر السودان أواخر عام 2007، قادماً من منطقة قريضة بولاية جنوب دارفور، متوجهاً أولاً إلى جنوب السودان، قبل أن يصل إلى أوغندا عام 2008، حيث بدأ حياة جديدة لم تكن سهلة. ويقول إنه «أول سوداني يصل مع عائلته إلى بيالي»، بعد أن أمضى نحو خمس سنوات في العاصمة كمبالا، قبل أن ينتقل إلى هذه المنطقة قبل نحو 12 عاما. وهناك، واجه العديد من التحديات في بداية حياته المهنية، خاصة مع حاجز اللغة والقدرات المحدودة. ويقول متذكراً تلك المرحلة: “لقد عانيت كثيراً عندما وصلت لأول مرة”. ولكن مع مرور الوقت، بدأ يشق طريقه تدريجياً. عمل في التجارة والزراعة، ثم تحول بعد ذلك إلى الاستثمار في العقارات، حتى تمكن من تأسيس مشروعه الخاص. قبل ثلاث سنوات، افتتح فندقاً أطلق عليه اسم «القلب الأبيض»، وهو اسم لا يخلو من دلالة. وأوضح لأخبار الأمم المتحدة بقوله: “لقد أطلقت على الفندق اسم القلب الأبيض كنداء لتطهير الضمائر والقلوب، للتغلب على المرارة التي عاشها السودانيون خلال الحروب المتكررة”. ويستطرد قائلاً: “من يريد زيارتي هنا فليأت بقلب أبيض ونظيف.. نحن لاجئون فروا من الحرب، وعلينا أن نتعايش هنا حتى نتمكن من العودة إلى بلدنا بأمان”. وعلى الرغم من الاستقرار النسبي الذي حققه، إلا أن إبراهيم لا يهمل التعبير عن امتنانه لحكومة وشعب أوغندا: “لقد استقبلوني بقلب مفتوح، ولم أشعر قط بأنني لاجئ. أنا لاجئ بالوثائق فقط، لكنني أتمتع بجميع الحقوق مثل المواطنين، بل وأمتلك قطعة أرض لا أستطيع امتلاكها في السودان”. وعلى الرغم من الترحيب الذي وجده هنا، إلا أن إبراهيم لا يخفي حنينه إلى السودان، معرباً عن أمله في أن يسود السلام قريباً، حتى يتمكن هو وغيره من اللاجئين في كرياندونغو من العودة إلى ديارهم. لكن هذا الأمل يصطدم بواقع يومي معقد في المخيم، حيث لا يزال المستقبل غير واضح، والخدمات محدودة، والفرص شحيحة، والقلق موجود، خاصة بين الأطفال والشباب. لكن الناس يتمسكون ببصيص أمل في أن الحرب ستنتهي يوماً ما وأنهم سيعودون إلى منازلهم. وإلى أن يتحقق ذلك، تستمر الحياة هنا… بين بساطتها وقسوتها، محملة بقصص لا نهاية لها.




