اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-18 05:00:00
مع إعلان نتائج امتحانات البكالوريا كل سنة، تتجدد مشاهد الفرح داخل عدد من الأسر المغربية احتفالا بنجاح أبنائها، لكن طبيعة هذا الاحتفال لم تعد كما كانت من قبل. ولما كان الحصول على شهادة البكالوريا في حد ذاته إنجازا يستحق التقدير والاحتفال، بغض النظر عن المعدل الذي تم الحصول عليه، فإن الاهتمام اليوم يتجه بشكل متزايد إلى النقاط والمراتب، لدرجة أن النجاح لم يعد كافيا لإثارة مشاعر الرضا لدى بعض الأسر. وفي ظل تنامي ثقافة المنافسة الأكاديمية وارتفاع سقف التوقعات، أصبح المعدل المرتفع معيارا أساسيا للحكم على قيمة النجاح، مما يجعل بعض الطلاب يتعرضون لضغوط إضافية حتى بعد اجتياز الامتحان بنجاح، ويفتح النقاش حول العوامل الاجتماعية والتعليمية التي غيرت نظرة المجتمع إلى هذه المرحلة الحاسمة من الدراسة. الفرح المشروط ابراهيم الحسناوي، الاختصاصي في علم النفس السريري، قال إن “الملاحظة السريرية والاجتماعية تسجل تغيرا جذريا في نمط تفاعل الأسر مع نتائج البكالوريا”، موضحا أن “السلوك تحول من الاستجابة الطبيعية التي تحتفي باجتياز المرحلة إلى حالة من الحداد النفسي والصدمة إذا لم يتجاوز المعدل عتبة التفوق المطلق (17 أو 18 من 20)، وهذا الواقع لا يعكس تغيرا في العادات، بل يترجم حالة نفسية معقدة”. أزمة تحتاج إلى تحليل سريري لفهم آلياتها وتأثيرها”. يؤثر بشكل مباشر على البنية العاطفية للمراهق. وأشار المتحدث نفسه إلى أن “رد الوالدين السلبي على المعدل “المتوسط” أو “الموصى به” ليس في الأساس رفضا لشخصية الابن، بل هو آلية دفاع غير واعية، حيث يسقط الوالدان قلقهما المزمن بشأن المستقبل، وتحديات سوق العمل، والهشاشة الاقتصادية على ورقة الامتحان. وفي هذا السياق، يعمل المعدل المرتفع جدا كمسكن لـ “قلق الترقب (Anxiété d’anticipation)”، وفي غياب هذا الرقم المرتفع، تنكشف النتيجة. مخاوف الوالدين، وهذا الخوف يترجم فوراً إلى انفعال وإحباط يتم تفريغه في وجه الطالب الناجح. وأضاف الحسناوي، في تصريح لهسبريس، أن “الطالب الحاصل على معدل 13 أو 14 يقع في معضلة نفسية حادة، فمن ناحية، يدرك واقعيا أنه اجتاز الامتحان وتجاوز عتبة الرسوب، ومن ناحية أخرى، يتلقى رسائل غير لفظية من بيئته الأسرية التي تعامله على أنه فاشل وخائب الأمل، وهذا الصراع يخلق حالة من التنافر المعرفي الذي يعطل قدرة المراهق على معالجة مشاعر الفرح أو السعادة. الراحة، ويدخله في عزلة عاطفية وإحساس دائم ومبهم بالذنب. وعن “الخطر الأكبر لهذا التفاعل”، أكد الطبيب النفسي نفسه أنه “يكمن في البنية المعرفية التي استوعبها المراهق”، مشيرًا إلى أنه “عندما يقابل النجاح العادي بالبرود أو التوبيخ، يتعلم الطالب أن حقه في التقدير والانتماء داخل المنظومة الأسرية مشروط حصرا بالأداء الرقمي المتفوق. وهذا النهج يؤسس لـ “تقدير الذات المشروط” الذي ينتج فردا هشا للغاية يفتقر إلى المناعة النفسية التي يوفرها القبول غير المشروط، مما يجعله عرضة للاكتئاب والاحتراق النفسي في البداية”. الفشل المهني في المستقبل”. في المقابل، قال المصرح ذاته، إن “المنصات الرقمية تعمق هذه الأزمة من خلال آلية المقارنة الاجتماعية (Comparaison sociale)، حيث يتعرض أولياء الأمور في يوم النتائج لسيل من المنشورات التي تحتفي بدرجات تكاد تكون مثالية. وهذا التسريب يخلق معياراً معرفياً مشوهاً، يُصنف بموجبه الإنجاز العادي على أنه فاشل، ويُفرض الكمال كمعيار وحيد للقبول، مما يرفع مستويات القلق والتوتر العاطفي داخل المنازل. ولحماية التوازن النفسي داخل الأسرة، أكد الحسناوي على ضرورة إعادة الهيكلة المعرفية لمفهوم النجاح وفق عدد من المحددات، منها “فصل القيمة عن النقطة، لأن التقييم المدرسي يقيس التحصيل الدراسي في موقف معين، ولا يقيس مستوى الذكاء العالمي أو القدرة على التكيف وإدارة أزمات الحياة”، و”تثمين السلوك والجهد (Valorisation de l’effort) من خلال توجيه اهتمام الأسرة نحو الجهد المبذول طوال المسار الدراسي، بدلا من التركيز حصرا على النتيجة العددية.” “نهائي”. ودعا الاختصاصي نفسه إلى ضرورة “تفعيل المرونة النفسية (Résilience)، وقال في هذا السياق: “بدلا من استنزاف الطاقة النفسية في الحداد على درجة لا تسمح بالدخول إلى مؤسسة معينة، يجب توجيه المراهق نحو قبول الواقع والبحث العملي عن البدائل المتاحة من خلال صياغة خطط بديلة (Plan B)، قبل أن يشير إلى أن “البكالوريا محطة تقييم مؤقتة، والاحتواء الانفعالي للطالب الناجح أولوية تسبق أي الحسابات المتعلقة بالتوجيه أو المقاعد الجامعية”. معضلة النجاح يقول سامي الدقاقي، الباحث في علم النفس والعلوم التربوية بالمركز الجهوي للمهن التربوية والتكوينية بالدار البيضاء، إن “الاحتفال بالنجاح في الباكالوريا لم يعد للأسف مرتبطا بالنتيجة العددية نفسها، وما تحمله من دلالات علمية ومعرفية في سياق متوسط يرتكز على “ثقافة النتائج”، كما أشار في كتاباته الخبير المغربي في التربية الأستاذ الخمار العلمي. بل إن الآباء ينظرون اليوم إلى قيمتها الرمزية في سوق تنافسية تُعرف فيها الشهادات”. التضخم والتدهور”. وأضاف الدقاقي، في تصريح لهسبريس، أنه “في الماضي كان النجاح عاملاً حاسماً، أما اليوم، مع هاجس التميز الذي أصبح يفرضه منطق الأسر في تبرير خياراتها، فقد تحول المتوسط (المرتفع) إلى مقياس واحد للقيمة، وهذا الأمر بالتحديد ما أشار إليه عالم الاجتماع الفرنسي فرانسوا دوبيه، حيث أشار إلى أنه عندما تصبح الميركيتقراطية القائمة على مبدأ التميز هماً أساسياً، تصبح قسوة، وتحمل الفرد مسؤولية ذلك. وضعه، ويديم الإحباط من… لا يصلون إلى المستويات الأعلى”. وأشار المتحدث نفسه إلى أن “عالمة الاجتماع ماري دورو بيلات بدورها أكدت أن الهيمنة المدرسية جعلت الأسر تعيش في خوف دائم من التصنيف نتيجة التشبع بثقافة التميز، بحيث لم يعد النجاح ممرا أو تحقيقا لنتائج الجهد والمثابرة، بقدر ما أصبح رهانا على المكانة الاجتماعية، وكأن الشهادة فقدت قدرتها على الحماية، وأصبح التميز هو الدرع الوحيد في نظام يديم التمايز بدلا من التميز الحقيقي القائم على الجدارة الأكاديمية والمعرفية “. وذكرت الباحثة في علم النفس ما تناولته عالمة الاجتماع الفرنسية أنييس فان زانتن عندما أشارت إلى كيف يتحول هوس التفوق إلى استراتيجية عائلية للحفاظ على المكانة، لافتة إلى “العائلات التي تنتمي إلى الطبقات الاجتماعية المتميزة التي لم تعد تكتفي بالنجاح العادي، بل تعمل بوعي على استثمار كل رأس مالها (الثقافي والاقتصادي والاجتماعي) في استراتيجيات تعليمية دقيقة تهدف إلى الحفاظ على مكانة النخبة وتجديدها عبر الأجيال، من خلال تحقيق التميز والانخراط في سباق محموم نحو دخول المعاهد العليا داخل البلاد”. وفي الخارج، بهدف البقاء ضمن دائرة النخبة الاجتماعية”. وقال الدقاقي: “برأيي أن هذا التحليل يتطابق بشكل مباشر مع ما نراه اليوم من الشعور بأن النجاح العادي لا يكفي، كما يتطابق مع ما نلاحظه اليوم من تحول هاجس “الدبلوماسية” إلى هاجس التفوق وتحقيق أعلى المتوسط (أو المراكز الثلاثة الأولى)، أو بمعنى آخر، تحويل النجاح الفردي إلى ضرورة اجتماعية للحفاظ على مكتسبات الأسرة ومكانتها في نظام بدأت فيه الدرجة العادية تفقد قيمتها التنافسية”. وأضاف الباحث نفسه: “للأسف، لا يمكن أن يمر هذا الاتجاه دون آثار نفسية حادة في كثير من الحالات، أبرزها حالات القلق المزمن التي تسيطر على الطلاب (وحتى الأسر)، نتيجة تصورهم أن النجاح العادي هو نجاح غير مكتمل، فهو لا يتوج بنسبة عالية أو استثنائية، وهو ما يؤثر بدوره على احترام الأطفال لذاتهم ما دامت قيمة نجاحهم تعتمد على نسبة عالية وليس على الجهد والتكوين المعرفي والمهاري للشخصية”، وأضاف: “الإرهاق النفسي والإرهاق النفسي”. كما أن كمية الضغوط المرتبطة بالإنجاز قد تؤدي أيضاً إلى مراقبة تؤدي إلى الاكتئاب، الأمر الذي قد يكون له عواقب وخيمة على الأطفال وكذلك على الأسرة.




