اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-22 14:03:00
بقلم الصادق شعبان – هناك لقاءات لا يمحوها الزمن، وحضور رجال لا يفقد من قوته شيئاً. الصادق بلعيد من هذا النوع. علاقتي به قديمة. نشأت أثناء الدراسة في الجامعة. لقد تصلبت بمرور الوقت، وتعمقت، ولم تضعف أبدًا. وذلك لأن بعض المعلمين لا يتركون طلابهم أبدًا، بل يظلون في قلوبهم. لقد تعلمت منه القانون، ولكن ليس القانون فقط. كما تعلمت منه منهج التفكير، والدقة في الاستدلال، والانضباط في التعبير. لقد تعلمت منه بطريقة أكثر دقة ورصانة. دفعني منذ الصغر إلى الخروج عن المسارات المعتادة في التربية السياسية، وعدم قصر الحياة السياسية على مجرد قراءة الدساتير أو المؤسسات الهندسية. لقد فتحت آفاقي أمام المقاربات الأنجلوسكسونية، والتحليل المنهجي أو تحليل النظم، وعلى تلك الفكرة البسيطة والقوية: أن هناك قصة طويلة بين النص والواقع. عندما كان عميدًا في ذلك الوقت، رافقني أولى الخطوات الحاسمة في مسيرتي المهنية. وقد أشرف على مذكرة الدراسات المتعمقة التي خصصتها للتحليل الوظيفي للنظام السياسي التونسي، ثم أشرف على رسالة الدكتوراه الخاصة بي، حيث أحاول منذ ذلك الحين بناء نموذج تحليلي جديد. لم أكن طالبا سهلا. كانت كتابتي بالفرنسية مكثفة، وغامضة في بعض الأحيان، ومنغلقة في كثير من الأحيان على نفسها. لكن كان لديه الصبر ليصحح لي مرة بعد مرة. فصحح وشرح وألح حتى تعلمت الدرس. كان يخبرني ماذا يقصد بقوله: «الكتابة ليست من أجل إرضاء الذات، بل من أجل أن يفهمك الآخرون». هذا الدرس لم يتركني أبدا. لقد وضع ثقته بي في وقت مبكر جدًا. ولما كنت بالكاد في الثانية والعشرين من عمري، كلّفني بـ«التدريب العملي» لطلاب السنة الرابعة في مادة كانت جديدة آنذاك: «أساليب التحليل السياسي». لم تكن هذه البادرة عابرة، بل كشفت عن نظرة قادرة على توقع الوعود المخبأة في تلاميذه. إنه يهتم فقط بالكفاءة، وليس بالهيبة أو الاتجاه. ولم يكتف بالتدريس، بل كان يتشكل، ويطلق الطاقات، ويبني. كان يتمتع بحس مؤسسي قوي ورؤية قوية. كان يتمتع بعقلية البناء، مثل معظم أفراد الجيل في ذلك الوقت. ولا أزال أذكر اجتماعاتنا في منزله في منزه 5 ثم في مرناق. لقد أراد أن يعرف أين كنت، وكيف كان تقدم الأطروحة، وكيف كان الدرس يتطور. لقد تجاوزت هذه اللحظات المتابعة الأكاديمية، كانت لحظات “تحضير صامت”. وهناك تعلمنا كيف نعمل، وكيف نشك، وكيف نفحص، وكيف نحمل الفكرة إلى أقصى حد. وفي تلك الأجواء المليئة بالجدية أضافت زوجته علياء حضورا إنسانيا راقيا. لقد كانت العنصر المساعد في هذا البيت المفتوح حول العلوم. وبذكائها وثقافتها ولطفها، منحت تلك اللقاءات لمسة إنسانية خاصة، وكانت سناء وبثينة ثم آمنة – بناته الثلاث – في أولى خطوات الحياة. الصادق بلعيد يدرس بأناقة نادرة. وكانت كلماته عميقة سلسة، لا تثقل السامع، بل ترفعه. وعندما تناول القانون من منظور فلسفي، أو استعرض القانون المقارن، لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل كان يفتح الآفاق. لقد علمنا أن نفكر فيما وراء البديهيات، وأن نقارن من أجل فهم أعمق، وأن ننسبي الأمور دون التخلي عن الصرامة. وأعطى العقول سمواً وسمواً. جنبا إلى جنب مع شخصيات بارزة أخرى من جيله، رفع الصادق بلعيد الكلية إلى مستوى التميز المعترف به. ولا يُقاس تأثيره فقط بالمؤسسة التي خدمها، بل يُقرأ بشكل رئيسي في الأجيال التي شكلته: القضاة، والمحامون، وكبار المسؤولين، والموظفين العموميين… وأكثر من ذلك: الأشخاص الذين شكلوا الشعب. لأن التأثير الحقيقي للأستاذ يمتد إلى من قام بتنميتهم. إن الصادق بلعيد ينتمي حقاً إلى كوكبة بناة الدولة العظماء. وكان من الذين ساهموا في إكساب تونس المستقلة الناشئة بنية فكرية متينة وتعليماً قانونياً عالي الجودة ومنفتحاً وحديثاً. شارك بطريقته الخاصة في بناء الدولة. ليس في ضجيج القرارات، بل في الصمت المثمر للفصل الدراسي. وما ميزه بعمق هو ذلك التوازن النادر: النهوض بالنظرية دون تغريب الواقع، والدفاع عن الاستقلال الأكاديمي دون الوقوع في العداء، وخدمة المعرفة دون التوقف عن خدمة الدولة. اليوم، مع مرور السنين، أفهم بشكل أفضل ما يمثله معلم كهذا. المعلم ليس فقط من يلقي الدروس، بل هو من “يكشف” لك عن دواخل نفسك. فهو الذي يطلب الكثير دون أن ينسحق، ويصحح الأخطاء دون أن يؤذي، ويرافق دون إكراه. ولعل هذه هي بصمة الكبار: دروسهم لا تنتهي بانتهاء محاضراتهم، بل تبقى حية فينا… بعد ذلك بوقت طويل. الصادق شعبان


