اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-23 20:28:00
في الرقة، المدينة التي أصبحت ذات يوم مركز سلطة داعش، لا تزال الحرب حاضرة، ليس فقط في أنقاض المباني، ولكن في الأسئلة المفتوحة التي خلفتها وراءها. ومنذ انتعاشها في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بعد معركة أنهت وجود التنظيم فيما عرف بـ”عاصمته”، دخلت المدينة مرحلة انتقالية طويلة، لم تحسم فيها ملامح العدالة بقدر ما تغيرت أشكال السيطرة. لسنوات عديدة، كانت الرقة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، التي كانت تديرها من خلال الهياكل المدنية والأمنية المحلية. ومع التحولات الأخيرة، بداية العام الحالي، والتي أدت إلى استعادة الدولة السورية سيطرتها على كامل المحافظة، أعيد رسم المشهد الإداري والقانوني، لكن دون حسم الملفات العالقة، وأبرزها ملف المعتقلين. وفي هذا السياق، نظم أهالي المعتقلين وقفة احتجاجية، اليوم الاثنين، في محاولة لكسر الصمت المحيط بمصير أبنائهم. لم تكن الوقفة حدثا عابرا، بل كانت تعبيرا عن حالة قلق ممتدة، تتقاطع فيها الذاكرة الجماعية للحرب مع واقع قانوني لا يزال غير مستقر. وتقول أم عيسى، والدة أحد المعتقلين: “كان طفلاً عندما كان داعش هنا.. واليوم يتهم بأنه واحد منهم”. تلخص هذه الجملة مفارقة يعيشها الكثيرون في الرقة، حيث يصعب بعد سنوات من سيطرة التنظيم القسرية التمييز بين من كانوا جزءاً منه ومن كانوا عالقين في زمنهم فحسب. ومنذ سقوط التنظيم في المدينة، ومن ثم انهياره الكامل شرقي سوريا عام 2019، تم تطبيق مقاربات أمنية ركزت على ملاحقة الخلايا النائمة في المنطقة الشرقية من البلاد، والتي ظلت إحدى أبرز بؤر نشاط التنظيم المتبقية. لكن هذه المقاربات، رغم ارتباطها بسياق أمني هش، أثارت انتقادات متزايدة بسبب ما وصف بالشكوك الواسعة وفترات الاعتقال الطويلة، في ظل غياب عمليات قضائية واضحة وكاملة. وفي ظل هذه التعقيدات، تراكمت ملفات المعتقلين ضمن الأنظمة المختلفة التي تلت إدارة المدينة، ما أدى إلى غموض في الإجراءات وتباين في المرجعيات. ويقول حذيفة الخلف، أحد المشاركين في الوقفة الاحتجاجية: “راجعنا المحاكم والسجون وكل الجهات.. لكن دون نتائج”. وهي عبارة تعكس حالة من الجمود، إذ لا توجد معلومات دقيقة عن التهم أو فترات الاعتقال أو حتى مكان وجود بعض المعتقلين. ويزداد قلق الأهالي مع ما يتردد عن نقل بعض المعتقلين إلى خارج البلاد خلال فترات سابقة، في ظل غياب معلومات رسمية واضحة، ما يعزز المخاوف من انقطاع أي مسار قانوني يمكن اتباعه. في المقابل، لا يمكن فصل هذا الواقع عن التهديدات الأمنية المستمرة، إذ لا تزال الخلايا المرتبطة بالتنظيم تنفذ هجمات متفرقة في المنطقة الشرقية، ما يفرض تحديات إضافية على أي مقاربة قضائية. لكن، كما يشير نشطاء حقوق الإنسان، فإن هذا الواقع لا ينبغي أن يلغي الحاجة إلى ضمانات قانونية أساسية توازن بين متطلبات الأمن وحقوق الأفراد. ضمن هذا المشهد، يطرح ملف المعتقلين سؤالاً أوسع: كيف يمكن بناء العدالة في مرحلة ما بعد النزاع؟ هل ستكون عدالة سريعة ذات طبيعة أمنية، أم عملية قضائية أكثر دقة تضمن محاكمة عادلة؟ ويطالب الناشط أحمد البوش بإجراء تحقيقات مستقلة في بعض القضايا التي يرى أنها شابتها اتهامات متسرعة، محذرا من أن “الخلط بين الضحية والمشتبه به يقوض الثقة في المؤسسات”. وفي الرقة، يبدو أن هذه الثقة في طور إعادة التشكيل بعد سنوات من الانهيار وتعدد مراكز صنع القرار. ومع استعادة الدولة السورية سيطرتها على المحافظة، تتجه الأنظار إلى إمكانية فتح مراجعة شاملة لملفات المعتقلين وتوحيد السلطة القضائية، وبالتالي إنهاء حالة الغموض التي رافقت هذا الملف منذ سنوات. ومع ذلك، في الرقة، لا تقتصر القضية على الإجراءات القانونية وحدها. خلف كل ملف عائلة، ووراء كل اسم قصة انتظار. هنا، حيث انتهت المعارك منذ سنوات، لا تزال الحرب مستمرة بشكل آخر: في صمت البيوت، وفي أسئلة لا تجد إجابة. الأمهات ينتظرن، والآباء يراجعون الأبواب ذاتها، مراراً وتكراراً، دون يقين. وبينما تتم إعادة تشكيل المشهد السياسي والقانوني في المدينة، يظل مطلبهم بسيطًا، وواضحًا تقريبًا: معرفة مكان أطفالهم، ولماذا غابوا، ومتى سيعودون.




