سوريا – برقيات الموت وهندسة الرعب.. شهادات حية توثق زمن “تدمر الأحمر”

اخبار سوريامنذ 27 دقيقةآخر تحديث :
سوريا – برقيات الموت وهندسة الرعب.. شهادات حية توثق زمن “تدمر الأحمر”

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-06 13:41:00

لم يكن سجن تدمر العسكري، الذي بات يُعرف في الوجدان السوري بـ”جحيم الشرق” و”باستيل العرب”، مجرد معتقل تقليدي لتنفيذ العقوبات، بل تحول إلى مؤسسة ممنهجة تهدف بالدرجة الأولى إلى سحق الروح البشرية وإبادة الكرامة.
ويقبع هذا المسلخ البشري في عمق البادية السورية مجاورًا لمدينة تدمر الأثرية، ليرتبط اسمه بأحلك فترات القمع والترهيب في التاريخ الحديث.
اليوم بعد عقود من الرعب المرتبط باسم المعتقل الأشهر في سوريا، إلى جانب صيدنايا، يزور معتقلون سابقون بقايا السجن، ويستذكرون ليالي الألم، ورفاقًا غادروهم إلى ساحات الإعدام.
مذبحة خلال أقل من ساعة
رغم أن النواة الأولى للسجن تأسست في عهد الانتداب الفرنسي كثكنة عسكرية، فإن وصول حزب “البعث” إلى السلطة، وتحديدًا خلال حقبة حكم حافظ الأسد، بدّل هويته تمامًا، ليصبح سجنًا عسكريًا وسياسيًا خُصص لتغييب المعارضين من مختلف الأطياف، لا سيما الإسلاميين من حركة الإخوان المسلمين، والقوميين، واليساريين، علاوة على العسكريين المغضوب عليهم من النظام.
وسجل يوم 27 من حزيران عام 1980 أكثر المحطات دموية ووحشية في مسيرة هذا المعتقل، ففي أعقاب محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها حافظ الأسد، اقتحمت وحدات “سرايا الدفاع” بقيادة شقيقه رفعت الأسد باحات السجن، وباشرت تصفية جماعية بحق السجناء داخل مهاجعهم.
وتؤكد تقارير وتوثيقات حقوقية أن تلك المذبحة حصدت أرواح ما بين 500 إلى 1000 معتقل في أقل من ساعة واحدة، باستخدام الرصاص الحي والقنابل اليدوية، قبل أن يتم نقل جثامين الضحايا ودفنهم سرًا في مقابر جماعية طمس معالمها في “وادي عويضة” القريب، لتظل هذه المجزرة شاهدًا على واحدة من أبشع جرائم الإبادة السياسية.
تجمع أعضاء رابطة سجن تدمر لإحياء ذكرى المجزرة واستذكار أحداثها – 26 حزيران 2026 (عنب بلدي)
تشريح زنازين الموت
لم تكن الهندسة المعمارية لسجن تدمر العسكري مجرد تصميم إنشائي، بل كانت أداة إضافية للترهيب وسحق الإنسانية، إذ صُمم السجن بطريقة تتيح للسجانين مراقبة المعتقلين باستمرار من الأعلى عبر فتحات في الأسقف مغطاة بقضبان حديدية، مما جعل السجين يشعر بأنه تحت عين البطش في كل ثانية.
في الأسفل، انقسم المعتقل إلى باحات شهيرة، كالباحتين الخامسة والسادسة، والتي تحولت إلى مسارح يومية لطقوس وحشية من التعذيب الممنهج.
أما المهاجع، فكانت عبارة عن غرف خانقة ومكتظة يغيب عنها الضوء والهواء تمامًا، مما أجبر السجناء على النوم على الأرض بنظام “التسيّف” (وهو النوم على الجنب متلاصقين) لعدم وجود مساحة تكفي.
في هذا الجحيم، حكم السجن قانون غير مكتوب يفرض صمتًا مطبقًا كصمت المقابر، وكان الحظر يطال الحواس والعقيدة على حد سواء، إذ كان يُمنع المعتقل منعًا باتًا من النظر في وجه السجان، وكان مجرد رفع العينين يعني التعذيب الشديد.
وتكاملت هذه المنظومة مع وجود المحاكم الميدانية الصورية، والتي كانت تستغرق جلساتها أقل من دقيقة واحدة، يُحرم فيها المتهم من أي حق في الدفاع عن نفسه، لتنتهي المحاكمة الخاطفة غالبًا بنطق كلمة واحدة يتردد صداها في الممرات: “إعدام”.
تعددت وتنوعت داخل زنازين سجن تدمر أساليب التعذيب الوحشية التي تفنن الجلادون في ابتكارها لإذلال الجسد البشري، إذ اشتهر المعتقل بأدوات تدميرية تركت ندوبًا لا تُمحى في ذاكرة الناجين، ومنها “الدولاب” الذي يُحشر فيه المعتقل داخل إطار سيارة لشل حركته قبل البدء بجلده.
و”بساط الريح” الذي يتم فيه تثبيت الضحية على لوح خشبي متمصلب وطيّ ظهره، وصولًا إلى “الكرسي الألماني” المصمم لثني العمود الفقري وضغط الأحشاء حتى كسر فقرات الظهر.
ولم يتوقف الأمر عند الأدوات، بل تحول “القتل بالركل” إلى عقيدة يومية، حيث كان السجانون يتباهون أمام بعضهم البعض بقدرتهم على إنهاء حياة السجين بركلة واحدة خاطفة ومميتة بالحذاء العسكري الثقيل (البسطار) تسدد مباشرة إلى منطقة القلب أو الكبد.
هذه الوحشية المفرطة لم تكن عبثية، فالسجان في تدمر لم يكن إنسانًا عاديًا، بل خضع لمعادلة تدريبية صارمة ترتكز على نزع الرحمة كليًا من القلوب، فبحسب شهادات الناجين، كان أي سجان يُظهر ليونة أو تعاطفًا مع المعتقلين يتعرض للعقاب الشديد أو الإبعاد فورًا، مما خلق بيئة مسمومة من الرعب المتبادل، يُمارس فيها الجلاد أقصى درجات القسوة ليحمي نفسه أولًا من بطش وغضب رؤسائه.
تجمع أعضاء رابطة سجن تدمر لإحياء ذكرى المجزرة واستذكار أحداثها – 26 حزيران 2026 (عنب بلدي)
كيف هزم الأدب محاولات الطمس؟
ورغم كل محاولات الطمس والإبادة، نجحت هذه التجربة الإنسانية المريرة في إفراز ما بات يُعرف بـ”أدب السجون”، حيث تمكن ناجون من توثيق فظائع المعتقل في مؤلفات أدبية وتوثيقية هزت الضمير العالمي، أبرزها رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة التي نقلت شهادة لمواطن مسيحي سُجن لسنوات بتهمة الانتماء لحركة الإخوان المسلمين، وكتاب “خمس دقائق وحسب” لهبة الدباغ، وكتاب “تدمر: شاهد ومشهود” لمحمد سليم حماد.
وفي محاولة لرسم بادرة انفتاح سياسي مع بداية عهد بشار الأسد، أُغلق السجن عام 2001 وجرى توزيع من تبقى من معتقليه، إلا أن هذه المنظومة القمعية سرعان ما استدعت وظيفتها التاريخية مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، إذ أُعيد افتتاح السجن مجددًا لاستقبال أفواج جديدة من المعتقلين والمطالبين بالحرية، ليعود المعتقل إلى سيرته الأولى كثقب أسود يبتلع حيوات السوريين.
وفي عام 2015، وبعد سيطرة تنظيم “الدولة” على مدينة تدمر، قام التنظيم بتفخيخ المعتقل وتفجيره، ليتحول ذلك البناء الطاعن في الآلام إلى ركام وحطام، لكن ذكراه بقيت حية في وجدان السوريين كرمز للظلم المطلق.
سجن تدمر لم يكن مجرد جدران من أسمنت، بل كان محاولة ممنهجة لإلغاء وجود الإنسان السوري وتحويله إلى كائن محطم، غير أن صمود من خرجوا منه وتوثيقهم لما جرى جعل الحقيقة أقوى بكثير من الزنازين ومن الديناميت الذي فجرها.
في عمق البادية السورية، حيث تنتهي حدود المنطق وتبدأ سلطة الحذاء العسكري، قضى حسين الحسين، ابن مدينة دير الزور، 13 عامًا من عمره في هذا المعتقل المرعب، أو “تدمر الحمراء” كما أطلق عليها السجناء من فرط الدماء التي سالت في باحاتها.
تجمع أعضاء رابطة سجن تدمر لإحياء ذكرى المجزرة واستذكار أحداثها – 26 حزيران 2026 (عنب بلدي)
المهجع “16”: معركة السجان ضد الهمس والدعاء
بدأت مأساة حسين الحسين، وفق ما تحدث به لعنب بلدي، حين اعتقل بتهمة الانتماء لحركة الإخوان المسلمين، بموجب قرار صادر عن المسؤول الأمني هشام بختيار، والذي لم يوجه إليه أي سؤال موضوعي سوى: “هل أنت من عشيرة الخرشان؟”، وحين أجاب حسين بنعم، صدر الحكم الخاطف في خمس دقائق فقط بتحويله إلى تدمر.
وسط هذا الضياع المطبق داخل السجن، كان وجود شقيقه عبد المحسن، الذي اعتُقل بذات التهمة ودون أدنى إثبات، بمثابة الخيط الأخير الذي يربط حسين بالعالم، والبقية الباقية من الذات التي يحاول السجان طمسها، إذ يسترجع حسين تلك اللحظات بأسى بليغ، مؤكدًا أن وجود شقيقه معه لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل كان سندًا حقيقيًا يتقاسم معه الموت اليومي.
داخل تلك الأسوار، لم تكن الحرب تدار بالسياط والكوابل فحسب، بل كانت معركة شرسة لتركيع الروح وإفراغها من الداخل، حيث يصف حسين كيف كان التدقيق في تفاصيل الإيمان مرعبًا ومميتًا، في مسعى واضح من إدارة السجن لقطع أي صلة للسجناء بالسماء.
وتجسد هذا الجنون القمعي في “المهجع 16″، الذي يعد واحدًا من أشد المهاجع وحشية، حيث كان الرقيب يمارس هوايته اليومية بالضرب المبرح بالكبل الحديدي أثناء التفقد، حتى انهار ذات يوم جسد السجين “عصام” تحت وطأة الألم الشديد، وفي لحظة عجز بشري قاهرة، همس عصام متوسلًا: “دخيل اسمك يا ربي”.
وقعت هذه العبارة كالصاعقة على مسامع الرقيب، وأصابته بحالة من الجنون الهستيري، فبدأ يصرخ في الممر: “لقد شتمني! لقد شتمني!”، ومنذ تلك اللحظة، تحول عصام إلى هدف يومي دائم لغضب ذلك الرقيب، ليدخل في سلسلة لا تنتهي من العذاب النفسي والجسدي الذي لا يُطاق، في شهادة حية تلخص كيف كان مجرد الهمس بالدعاء جافيًا لطقوس “جحيم الشرق”.
مقبرة الضحايا والجلادين
وفي حادثة أخرى تعكس أقصى درجات العبثية والسريالية داخل ذلك المكان، يروي حسين قصة سجين كردي رفض مد يديه لتلقي الضرب المعتاد، مما فجّر غضب الرقيب الذي فقد السيطرة على أعصابه، وفي لحظة انفعال عارم نطق الجلاد بعبارة: “الله ربي الذي بلاني بكم!”، متبعًا إياها بسيل من الشتائم.
ومع سماع هذه الكلمات، ركض حسين بلهفة وفرح نحو صديقه عصام، الذي كان يُذبح ويُعذب يوميًا لمجرد همسه بالدعاء، وقال له: “يا عصام، لقد نطق الرقيب! لقد قال (الله ربي).. سيأخذونه الآن ويعاقبونه”.
ولم يخطئ حدس حسين، ففي صباح اليوم التالي اختفى ذلك الرقيب تمامًا ولم يُعرف له أثر أو مصير، ففي تدمر، كانت العقيدة الأمنية صارمة لدرجة أنه لا يُسمح حتى للسجان بذكر اسم الله، ولو كان ذلك في معرض الشتيمة أو الغضب الإنساني.
تؤكد هذه الواقعة أن القسوة المفرطة في تدمر لم تكن حكرًا على المعتقلين فحسب، بل كانت تطال السجانين أنفسهم لضمان تجريدهم من آدميتهم وتحويلهم إلى وحوش ضارية بآلات تحكم عن بعد.
يتذكر حسين سجانًا حاول في بداياته إظهار نوع من اللين والرحمة في التعامل مع السجناء، لكن أمره لم يدم طويلًا، إذ يوضح أنه بمجرد أن رصدت إدارة السجن رقته الإنسانية، تخلصت منه وأبعدته فورًا لئلا يفسد منظومة الرعب الممنهجة.
وأمام هذا الضغط النفسي الهائل والتوحش الإجباري، كانت أخبار انتحار السجانين تتسرب إلى المهاجع بين الحين والآخر، إذ لم يحتمل بعض الجلادين حجم الإجرام والفظائع التي أُجبروا على ممارستها بحق مواطنيهم، فكانوا يفرون من جحيم ضمائرهم المستيقظة إلى الموت انتحارًا، في شهادة دامغة على أن سجن تدمر كان مقبرة للضحايا والجلادين على حد سواء.
سريالية الباحة الخامسة
لم يطلق المعتقلون اسم “تدمر الحمراء” على هذا المسلخ البشري عبثًا، فقد ارتوت أرضه من دماء النخب السورية التي سُحقت هناك. ويروي حسين الحسين كيف قرأ تاريخ الإجرام محفورًا على جدران المهجع وثقوب الرصاص قبل أن يسمع تفاصيله.
ففي عام 1990 التقى في أقبية المخابرات العسكرية بمهرّبين شاركوا كشهود عيان في تنفيذ مجزرة 27 حزيران 1980، والذين كشفوا له كيف استُبدل الحراس الاعتياديون بقوات خاصة اقتحمت المكان وفتحت نيران الرصاص والقنابل على السجناء العُزّل في زنازينهم.
تلك المذبحة التي ابتلعت قرابة ألف شهيد من السوريين، كان من بينهم 240 طبيبًا وطالبًا جامعيًا نُقلوا ليدفنوا سرًا في مقابر جماعية بوادي عويضة، وظلت ثقوب الرصاص في الجدران شاهدة على أجسادهم حتى لحظة خروج حسين من المعتقل.
ووسط هذا الجحيم، عاش السجناء في عزلة تامة وجهل مطبق بما يدور خارج الأسوار، وتجلت هذه العزلة في مفارقة مذهلة، إذ لم يعلم السجناء بمصرع باسل الأسد إلا بعد مرور عامين على الحادثة، ليدركوا أسباب توقف القتل والتعذيب فجأة لـ40 يومًا متواصلة تزامنت مع فترة الحداد الرسمية، ليُستأنف التنكيل بعدها بأضعاف مضاعفة.
وحتى تفاصيل السياسة الخارجية وأخبار التقارب مع إسرائيل لم تتسرب إليهم إلا حين سألهم سجان بذهول مستنكرًا: “هل حصلتم على الجريدة؟”، ليدركوا عبر تحليل قصاصة ورق عابرة أن العالم الخارجي يتغير ويتشكل من جديد، بينما هم يراوحون في أمكنتهم بين الموت والموت.
وتكتمل سريالية المشهد وعمقه المؤلم بمفارقة كانت تشهدها الباحة الخامسة، ففي الوقت الذي كان فيه علماء سوريا، كعالم الجيولوجيا زكريا حسن زينو، يتعرضون لأبشع أنواع السحق وقلع العيون، كان جواسيس إسرائيل المعتقلون يعيشون في وضع أشبه بالإقامة الفندقية داخل السجن، حيث الغرف المفتوحة، والإعفاء الكامل من الضرب والتعذيب، والزيارات العائلية المفتوحة، ليكون العدو المفترض مدللًا، وابن البلد المعارض مستباحًا حتى الموت.
ورغم هذا السواد والمستودع البشري الذي يُختزل فيه الإنسان إلى مجرد رقم ينتظر دوره على حبل المشنقة، كان القرآن الكريم والأذكار وحلقات الفقه السرية هي حبل النجاة الوحيد، يقول حسين، فقد ضم السجن صفوة العقول السورية التي حوّلت عتمة المهاجع إلى منارات علم خفية، مما ساعده ورفاقه على الصمود وحفظ القرآن وتعلم السيرة النبوية والأحاديث الشريفة.
ويختتم حسين الحسين شهادته لعنب بلدي بكلمات تلخص تجربة “تدمر الحمراء” بأنه المكان الذي يُسحق فيه السجين والسجان معًا تحت وطأة منظومة منزوعة الآدمية، حيث يظل ذكر الله وتوحيده هو التهمة التي قد تنهي حياة المرء بركلة جلاد، لكنه كان في الوقت ذاته القوة الغيبية الوحيدة التي منعت الأرواح من الانهيار والتشظي.
جرم قرابة الدم
من جانبه، يفتح شقيقه عبد المحسن الحسين الصندوق الأسود لذكرياته، راويًا لعنب بلدي فصولًا مغايرة من التغريب والاعتقال العشوائي، حيث بدأت مأساته أثناء تأديته للخدمة العسكرية الإلزامية، إذ جرى اقتياده إلى المعتقل بالتزامن مع خضوع شقيقه حسين لفترات التحقيق الأولى.
ويوضح عبد المحسن بمرارة كيف لُفقت له تهمة جاهزة بالانتماء لحركة الإخوان المسلمين، رغم أنه لم يكن ينتمي إليها ولا تربطه بها أدنى صلة، سوى جرم قرابة الدم وأنه شقيق حسين الحسين.
وفي قاموس تدمر الخاص، تعلّم عبد المحسن سريعًا أن الكلمات تخلع معانيها التقليدية المألوفة عند البوابة الحديدية، فالأكل لم يكن طعامًا يستلذ به المرء، بل تحول إلى وقود شحيح للبقاء على قيد الحياة، بينما “السخرة” لم تكن مجرد عمل قسري شاق، بل مفهومًا يختزل أقصى درجات الإذلال البشري المنظم وتدمير النفس.
ولأن الأخوة في جحيم تدمر تصبح درعًا في وجه السياط، أخذ عبد المحسن على عاتقه طوعًا مهمة “السخرة”، فكان يركض تحت التهديد والجلد لجلب الطعام، وفي أحيان كثيرة كان يتطوع بكل فداء ليتلقى عقاب الضرب والجلد بدلًا من شقيقه الأكبر حسين ليحميه من الموت.
وتجسد هذا التلاحم في قضاء ستة أشهر كاملة من النوم داخل زنزانة منفردة ضيقة ومظلمة، لا تتسع في الأصل لشخص واحد، حيث كانا ينهمكان متكدسين فوق بعضهما البعض، مستذكرًا كيف نام لنصف عام بوضعية “القرفصاء” الخانقة التي تحيل عظام الجسد البشري حطامًا وتيبسًا قبل حلول الصباح.
وفي إحدى المرات، وأثناء توزيع الطعام اليومي، جرى نزع أقفال الأبواب، وكان باب منفردتهما يعاني من استعصاء ميكانيكي ولا يفتح بالسرعة المطلوبة، وخوفًا من فوات الوقت القصير المحدد وضياع وجبة البقاء، دفع عبد المحسن الباب بكل ما أوتي من قوة وجوع، وإذا بالباب يُخلع بالكامل من مكانه.
في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروق الشقيقين انتظارًا لـ”حفلة إعدام” أو سحق تحت الأقدام، لكن ألطاف القدر حفتهما في ذلك اليوم، إذ كان الرقيب المسؤول مسنًا ورؤوفًا، فلم يوقع بهما العقاب المعهود، بل اكتفى بنقلهما إلى منفردة أخرى.
12 سنة كاملة من ربيع الشباب قضاها عبد المحسن في ذلك القبر الإسمنتي الكبير، يتجرع عذابات يومية على ذنب لم يقترفه، بينما كان سجن تدمر يلتهم زهرة شبابه وشباب شقيقه بلا رحمة.
وعندما دقت أخيرًا ساعة الفرج الصعبة وخرج مستنشقًا الحرية، لم يجد الفرح بانتظاره على عتبة المنزل، بل اصطدم بنبأ وفاة والده الذي مات كمدًا وقهرًا على أولاده المغيبين طوال تلك السنين.
ورغم قطار العمر الذي مضى، لا يزال وجع الظهر المزمن يداهم عبد المحسن بين الحين والآخر كأثر جانبي لوضعية القرفصاء، ولا تزال آثار سياط السجان وبساط الريح محفورة على أقدامه كأوسمة وجع خالدة، تشهد على أن زمن تدمر الأحمر لا يموت أبدأ في ذاكرة الناجين.

Related

سوريا عاجل

برقيات الموت وهندسة الرعب.. شهادات حية توثق زمن “تدمر الأحمر”

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#برقيات #الموت #وهندسة #الرعب. #شهادات #حية #توثق #زمن #تدمر #الأحمر

المصدر – عنب بلدي