سوريا – بين «دمشق» ودمشق الشعبية.. ما الفرق؟

اخبار سوريا22 يناير 2026آخر تحديث :
سوريا – بين «دمشق» ودمشق الشعبية.. ما الفرق؟

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2025-01-17 15:02:00

مع بداية أيام الشتاء الباردة وسقوط العائق الأكبر أمام السوريين لزيارة بلدهم – النظام السوري، قررت زيارة دمشق، المدينة التي كانت دائماً قلب الحضارة وذاكرة التاريخ. لكن دمشق التي عرفتها في طفولتي لم تعد هي نفسها. وهي الآن مدينتان متناقضتان تعيشان في مكان واحد: دمشق الغنية ودمشق الفقيرة. هناك فرق شاسع بينهما، ليس فقط في مستوى المعيشة، بل في طريقة الحياة، وفي الأحلام، وحتى في أسماء الأحياء. قادتني خطواتي عبر شوارع دمشق القديمة، محاولاً استشعار نبض المدينة بعد سنوات من الصراع المرير. كانت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على الأزقة الضيقة المتعرجة، لتنعكس على نوافذ البيوت التراثية ذات الزجاج الملون. لكن على الرغم من جمال المشهد الخارجي، إلا أنه لا يمكن تجاهل التناقضات الكبيرة التي تعاني منها المدينة من الداخل. بينما تتباهى أحياء دمشق الراقية بفخامة وأناقتها، فإن غالبية الأحياء الشعبية تئن تحت وطأة الفقر والحرمان. أصبحت هذه الفجوة الهائلة بين الأغنياء والفقراء، أو بين “الطبقة المخملية” وعامة الناس، سمة بارزة في دمشق ما بعد الصراع. “دمشق” المدينة الفخمة. عندما كنت أتجول في مناطق مثل المزة الغربية والمالكي وأبو رمانة ودمر، شعرت وكأنني في مدينة أوروبية حديثة. السيارات الفاخرة تملأ الشوارع، وتضج المقاهي الراقية بأصوات الموسيقى والضحك. ويطلق أهل المدينة على الأحياء هنا اسم “دمشق”، وهو ما يدل على أن هذه المناطق أجنبية وليست منفصلة عن البلاد. وضمن هذه المناطق لا تعكس الأسعار حقيقة انهيار العملة السورية. فنجان القهوة في أحد المقاهي الشهيرة يعادل نصف راتب موظف حكومي. تبدأ إيجارات المنازل هنا من 500 دولار إلى 1500 دولار شهرياً، وتدفع مقدماً لمدة عام كامل، بالإضافة إلى وديعة شهر وإكرامية لمكتب الوساطة العقارية بما يعادل إيجار شهر. منظر عام لمدينة دمشق من أعلى جبل قاسيون – الحال نت حتى شراء الأثاث أصبح معضلة. قمت بزيارة أحد معارض الأثاث في شارع المالكي، ووجدت أن الأسعار تكاد تكون مطابقة لأسعار الأثاث في بيروت أو عمان. وتحمل كل قطعة سعرها بالدولار، وكأن العملة المحلية فقدت قيمتها تماماً في هذا العالم المخملي. دمشق المسكينة: المدينة المنسية، لكن عندما انتقلت إلى مناطق مثل الزاهرة والقابون وبرزة، تغير المشهد تماماً. هنا ترى الحياة كما هي، بدون رتوش أو ادعاءات. الشوارع ضيقة ومزدحمة، والأطفال يلعبون في الوحل، والباعة المتجولون يصرخون لبيع بضائعهم. باعة متجولون ينشرون بضائعهم على الأرصفة قرب منطقة البرامكة بدمشق – الحال نت. وبينما يعيش أفراد النخبة الثرية في فيلات فخمة ويقودون السيارات الفاخرة، فإن أفراد الطبقتين المتوسطة والفقيرة يكافحون من أجل تأمين لقمة العيش في ظل الأسعار الباهظة. دمشق، خلافاً لما يعتقده السوريون في الخارج، أصبحت من أغلى مدن المنطقة بسبب تبعات سياسات الفساد التي انتهجها النظام السابق وانهيار العملة. وبينما كنت أتجول في المدينة، رأيت بأم عيني هذا التفاوت الكبير. وعلى بعد أمتار قليلة من حي المالكي الفاخر، توجد أحياء شعبية بأزقتها المزدحمة وبيوتها المتهالكة. التقيت سامر، شاب في أوائل الثلاثينيات من عمره يعمل سائق سيارة أجرة، ليشاركني معاناته اليومية. قال لي بلهجة يائسة: “أنا وزوجتي نعمل لساعات طويلة كل يوم، لكننا بالكاد نستطيع تغطية الإيجار والطعام والكهرباء. الحياة هنا صعبة للغاية بالنسبة لأولئك الذين ليس لديهم المال أو فيتامين (ف) – وهنا يقصد الواسطة”. تعاني الأحياء الشعبية من الفقر المدقع، ولكن من المدهش أن الأسعار هنا ليست أفضل. وحتى السلع الأساسية أصبحت عبئاً على الأسر. كيلو اللحم يعادل دخل العامل اليومي لمدة أسبوع، وأصبح الزيت والسكر مواد تحسب بالقطرة وبالذرة. قوانين الحكومة السورية الجديدة تمنع الموظفين من العودة إلى عملهم: بين “دمشق” ودمشق الشعبية.. ما الفرق؟ خلال سيطرة النظام السابق، لم تكن الحياة في هذه الأحياء عبارة عن صراع مع ارتفاع الأسعار فحسب، بل مع البيروقراطية والفساد أيضًا. الخدمات متوفرة، لكنها تشترط دفع «رشوة» تحت اسم «الإكراميات». هل تريد توصيل الكهرباء؟ عليك أن تدفع. هل تحتاج إلى رخصة بناء؟ نصيحة أولا. حتى الأوراق الرسمية أصبحت سلعة تباع لمن يستطيع السداد. دمشق بين الماضي والحاضر أدركت خلال زيارتي أن دمشق لم تعد المدينة التي يعرفها السوريون في الخارج. هناك تصور شائع بأن انهيار الليرة السورية جعل كل شيء رخيصا، لكن الواقع مختلف تماما. لقد أصبحت دمشق مدينة الأثرياء، حيث يستطيع المال شراء كل شيء. سوق اللصوص الواقع على يمين شارع الثورة وسط مدينة دمشق – الحال نت في السوق المركزي قرب منطقة برزة التقيت بشاب اسمه علاء يعمل في محل لبيع الألبسة المستوردة. قال لي: “الأسعار هنا محددة بالدولار لأننا نستورد بضائع من الخارج. الزبائن؟ الأغنياء فقط. الفقراء لا يدخلون هذه المحلات”. وفي زاوية السوق كانت هناك امرأة عجوز تبيع بعض الخضار على عربة صغيرة. وعندما سألتها عن حالها تنهدت وقالت: “نعيش يوما بيوم، إذا بعنا نأكل، وإذا لم نبيع الله يعيننا، كل شيء أصبح غاليا، حتى الحاجات البسيطة”. السيارات والنقل: رمز الفجوة إحدى الأشياء التي لفتت انتباهي أيضًا هي السيارات. وفي دمشق تملأ الشوارع السيارات الفاخرة من الماركات العالمية، على عكس أحياء دمشق الشعبية حيث قد ترى سيارة تسير في شوارعها تم تصنيعها منذ أكثر من 40 عاماً. ويكلف استئجار السيارة لمدة أسبوع مليون وثمانمائة ألف ليرة سورية، وهو مبلغ لا تتخيله عائلة من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة. في دمشق الفقيرة، تعتبر وسائل النقل العام الخيار الوحيد، لكنها بالكاد تعمل. الحافلات القديمة مكتظة، ويقف الناس لساعات في طوابير للحصول على مقعد. السؤال الأكبر: ما الذي خلق هذه الفجوة؟ خلال محادثاتي مع الناس، كانت كلمات مثل “الفساد” و”الرشوة” و”الاحتكار” تُذكر مراراً وتكراراً. وأدت السياسات الاقتصادية للنظام السابق، التي اعتمدت على الكسب غير المشروع والاحتكار، إلى خلق اقتصاد هش تسيطر عليه فئة صغيرة من الأثرياء. ساحة عدنان المالكي بدمشق – الحال نت وحتى بعد سقوط النظام، ظلت هذه السياسات تؤثر. ويتساءل كثير من السوريين: “هل تغير شيء بعد سقوط الأسد؟” وعند الفحص الدقيق، يتبين أن هذا الانقسام الحاد ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج سنوات طويلة من السياسات الخاطئة والفساد المستشري في ظل نظام الأسد. وبدلاً من بناء اقتصاد منتج يوفر الفرص للجميع، ركز النظام على إرضاء دائرة ضيقة من المقربين والمستفيدين على حساب بقية المجتمع. «بالفساد والمحسوبية».. مصادر تكشف البطالة المقنعة في سوريا: بين «دمشق» ودمشق الشعبية.. ما الفارق؟ والنتيجة هي مدينة منقسمة على نفسها، ليس فقط اقتصادياً وطبقياً، بل وأيضاً ثقافياً وفكرياً. تعيش النخبة الثرية في عالم مختلف عن بقية السكان، منغمسين في أسلوب حياتهم الغربي الساحر، بينما الفقراء غارقون في همومهم اليومية والتقشف القسري. مدينتان في واحدة عندما غادرت دمشق، أدركت أن هذه المدينة ليست مدينة واحدة بل مدينتان مختلفتان تمامًا. “دمشق” بالنسبة للأغنياء مدينة الترف والترف، أما دمشق بالنسبة للشعب فهي مدينة الصراع من أجل البقاء. ويبقى السؤال: هل يمكن للمدينة أن تتحد يومًا ما؟ هل يمكن أن تكون دمشق للجميع، وليس للنخبة فقط؟ ربما تحمل هذه الأسئلة إجابة حول مستقبل سوريا، لأن مصير دمشق هو انعكاس لمصير البلد بأكمله. ربما هنا تكمن حقيقة دمشق العميقة.. لا «دمشق» الأنيقة الزائفة، ولا الأحياء الشعبية الفقيرة، بل روح أهلها الصامدة والأصيلة. إن مستقبل دمشق الحقيقي لن يتقرر في المقاهي الراقية أو في أروقة السلطة، بل في قلوب وأحضان أهلها البسطاء الذين يحملون علمها بكل فخر. وعلى الجميع أن يدركوا، سواء في دمشق أو في دمشق الشعبية، أنه لن يكون هناك سلام حقيقي ولا تقدم مستدام دون سد الفجوات وتحقيق العدالة الاجتماعية للجميع. وفي الختام تبقى دمشق كما عرفناها دائماً مدينة الياسمين والتاريخ والحضارة. ورغم كل الجراح فإن إرادة العيش بين أهلها لن تنكسر. وسيبقى الأمل حياً، مهما طال الليل، بفجر جديد ننسى فيه الحديث عن «دمشق» ودمشق الشعبية، لنعود إلى دمشق واحدة موحدة ومزدهرة.

سوريا عاجل

بين «دمشق» ودمشق الشعبية.. ما الفرق؟

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#بين #دمشق #ودمشق #الشعبية. #ما #الفرق

المصدر – زاوية خاصة – الحل نت