اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-13 14:48:00
في سوق الزرب، حيث تمتزج أصوات الحرفيين من جديد برائحة القهوة والدخان المتصاعد من محلات الشواء، يبدو أن حلب القديمة تحاول استعادة الإيقاع الذي فقدته خلال سنوات الحرب. لكن المدينة التي نجت أحجارها جزئياً من الحريق، ما زالت تواجه اليوم عقدة أعقد من الدمار نفسه: من له الحق في إعادة البناء؟ من له الحق في البقاء بعد الترميم؟ الأسواق التاريخية، التي كانت القلب التجاري لمدينة حلب، دخلت مرحلة جديدة من الصراع، لا يدور حول الركام فحسب، بل أيضاً حول “الفراغ” وحقوق الإشغال والملكية وحدود العلاقة بين صاحب العقار وصاحب المحل. وبحسب التقديرات والتقارير الدولية والمحلية، تعرض نحو 60% من المدينة القديمة لأضرار متفاوتة، فيما تعرض نحو 30% منها للتدمير الكامل، بما في ذلك أجزاء واسعة من الأسواق والخانات التاريخية. وبينما تم ترميم أجزاء من أسواق السقطية والزرب والمحمص والعبي خلال السنوات الماضية، لا تزال مئات المحلات التجارية خارج الخدمة، وسط تقديرات تشير إلى أن إعادة تأهيل الأسواق القديمة يتطلب ملايين الدولارات وسنوات طويلة من العمل، لكن بالنسبة للعديد من التجار، تبدو المشكلة اليوم أبعد من التمويل والحجر الصحي. نظام فروغ.. من يجدد ويستثمر؟ يستذكر محمد نور حمامة، عضو لجنة أصحاب الإجازات في حلب، تاريخ هذا النظام الذي يقول إنه سبق قانون 1952 بفترة طويلة، قبل أن يأتي القانون رقم 111 الذي ينظم العلاقة بين صاحب المزرعة وصاحب الحق في المزرعة. وفيما يصف حمامة تلك المرحلة بأنها فترة «استقرار اقتصادي وتنظيمي»، يرى أن المشكلة بدأت عندما أعيد فتح الملف مؤخراً بشكل «هز الأرضية التجارية» داخل الأسواق. ويقول إن العلاقة بين الطرفين استمرت لعقود من الزمن وكانت تدار بالتراضي، مضيفا: “كان المالك يأتي إلى المتجر ويجلس مع صاحب المتجر ويشرب القهوة ويأخذ نصيبه ويمضي. لم تكن هناك هذه الحساسية الموجودة اليوم”. هذا الشعور بعدم الاستقرار يقابله فؤاد صباغ، تاجر وعضو لجنة مطالب الفروج بحلب، لكن من زاوية مختلفة. بالنسبة له، المشكلة لا تكمن فقط في الجدل القانوني، بل في تأثيره المباشر على قرار الترميم نفسه. ويقول إن العديد من أصحاب المحال التجارية توقفوا عن إعادة التأهيل خوفاً من ضياع حقوقهم لاحقاً، موضحاً أن العقارات المهدمة تحولت إلى قضية عالقة بين أصحاب الأتلام وأصحاب الرقبة. ويضيف: «يسأل صاحب المحل اليوم نفسه: لماذا أستثمر مئات الآلاف من الدولارات في عقار قد أخسره لاحقاً؟». الدمار وحده لا يوقف الأسواق في منطقة السويقة. فؤاد مكتبي يقف أمام خان التطون المدمر، وهو أحد الخانات التجارية القديمة التي تعرضت لانهيار شبه كامل خلال الحرب. ويتحدث مكتبي عن فترة كان التجار فيها مستعدين لإعادة البناء على نفقتهم الخاصة، رغم غياب أي تعويض رسمي، إلا أن الفساد وارتفاع التكاليف في ذلك الوقت أوقف معظم المشاريع. ويقول اليوم إن المشكلة أصبحت مرتبطة بظروف الترميم نفسها. ويشير إلى أن بعض أصحاب الإجازات يمنحون حق استثمار مؤقت لا يتجاوز 15 عاما، رغم أن تأهيل بعض المزارع يتطلب استثمارات قد تتجاوز 200 ألف دولار. وهنا يتقاطع حديثه مع ما يقدمه حمامة والصباغ. الجميع يتحدث عن غياب الضمانات القانونية، لكن كل منهم يقرأ الأمر من زاويته. ويرى حمامة أن المشكلة الأساسية تكمن في كسر التوازن التاريخي الذي يحكم العلاقة بين الطرفين منذ عقود، فيما يركز مكتبي على عدم الجدوى الاقتصادية لإعادة البناء دون ضمان الاستقرار على المدى الطويل، فيما يربط صباغ الأمر بشكل مباشر بتوقف حركة الترميم داخل الأسواق. يقول مكتبي: «لا يمكن معاملتنا كمستثمرين جدد، فنحن أصحاب حقوق موجودة منذ عقود، دفعنا مقابلها مبالغ كبيرة تحت مسمى الهبة أو التبادل». ومن له الحق في الإصلاح؟ ولكن حتى في الحالات التي لا يوجد فيها نزاع مباشر على الملكية، تنشأ مشكلة أخرى أكثر تعقيدا: إثبات الحق نفسه. ويرى المحامي عبد المنعم قشقش، أن جزءًا كبيرًا من الأزمة الحالية مرتبط بفقدان الوثائق خلال سنوات الحرب. ويقول إن البلديات لا تمنح تراخيص الترميم إلا بناء على وثائق رسمية تثبت حق الإفراغ أو الإشغال أو الاستثمار، سواء من خلال عقود موثقة أو أحكام قضائية. لكن، بحسب قشقاش، أدت الحرب إلى فقدان الكثيرين لهذه الوثائق، فيما يعتمد آخرون على عقود عادية غير موثقة وغير كافية قانونيا. ويضيف: «هناك أشخاص لديهم حقوق فعلية داخل الأسواق، لكنهم غير قادرين على إثباتها رسمياً، وبالتالي لا يستطيعون الحصول على تراخيص الترميم». وهنا يعود المتداولون للحديث عن نفس النقطة، عن الوقت ومن سيعيد الحياة إلى الأسواق. وبينما تستغرق الدعاوى القضائية وإعادة الحقوق سنوات، تبقى الأسواق معلقة بين الركام والقضاء. دمار كامل.. نهاية حق الفروغ؟ ورغم اتفاق المتحدثين على ضرورة حماية الحقوق، إلا أن نقطة الخلاف الأبرز تظهر عند الحديث عن العقارات المهدمة بالكامل. ويفرق المحامي قشقاش بوضوح بين الترميم الجزئي والتدمير الكامل للعقار، ويقول إن الترميم الجزئي يبقي حق الإخلاء قائما، لكن إذا تحول العقار إلى “هدم إيجاري” نتيجة التدمير الكامل، فإن عقد الإيجار وحق الإخلاء ينتهيان قانونيا، لتعود مسؤولية إعادة البناء إلى صاحب العقار. ويضيف: “إذا زال الملك نفسه، انتهى حق الانتفاع المرتبط به”. ويثير هذا الاقتراح مخاوف أهالي فروغ، خاصة أولئك الذين يعتبرون أن الحرب والدمار الذي خلفته يندرج ضمن مفهوم “القوة القاهرة”، وبالتالي لا ينبغي أن يؤدي إلى مصادرة حقوقهم. ويقول مكتبي إن الكثير من الممتلكات دمرت نتيجة القصف والبراميل المتفجرة، وليس نتيجة إهمال أصحابها، معتبرا أن معاملتها على أنها “دمار طبيعي” مجحف بحق أصحاب الحقوق التاريخية. أما الصباغ فينظر إلى الموضوع من زاوية اقتصادية مباشرة، محذرا من أن استمرار هذا الغموض سيؤدي عمليا إلى تجميد إعادة الإعمار، ليس فقط في البلدة القديمة، بل أيضا في المناطق الصناعية والتجارية مثل العرقوب والكلالة. الأوقاف… العقدة الأكثر حساسية. وتزداد الصورة تعقيداً في العقارات الوقفية، إذ تتداخل قوانين الإيجار مع الطبيعة الخاصة للعقارات الوقفية. وبحسب الدراسات القانونية المتداولة بين المحامين المعنيين بالملف، فإن وزارة الأوقاف لا تعتبر مالكاً مباشراً لأموال الوقف، بل هي هيئة إدارة وإشراف واستثمار، استناداً إلى المرسوم بقانون رقم 204 لسنة 1961 والقانون رقم 31 لسنة 2018. ويفتح هذا الوصف باباً جديداً من التساؤلات حول مدى تطبيق بعض مواد قانون الإيجار فيما يتعلق بحقوق «المؤجر» في عقارات الوقف. ويبدو أن هذه النقطة بالذات تعمق حالة عدم اليقين داخل الأسواق، حيث تتقاطع العادات التجارية القديمة مع القوانين الحديثة ومحاولات إعادة التنظيم الحضري. مدينة تبحث عن مستوطنة لإنقاذها من الركام في حلب القديمة. تبدو عملية إعادة بناء الحجر أقل تعقيدًا من إعادة بناء الثقة القانونية داخل الأسواق. وبينما تعود الحياة تدريجياً إلى بعض الأزقة والخانات، لا تزال أجزاء واسعة من المدينة تنتظر تسوية واضحة تحدد شكل العلاقة المستقبلية بين أصحاب المزارع وأصحابها. بين وجهة نظر قانونية ترى أن بعض الحقوق تنتهي بهلاك العقار، ووجهة نظر تجارية ترى أن إسقاط هذه الحقوق سيقضي على أي رغبة في الاستثمار، تبقى الأسواق القديمة معلقة بين محاولات الإنعاش ومخاوف فقدان الملكية. في مدينة كانت تجارتها تاريخياً تقوم على الاستقرار والعلاقات الممتدة بين العائلات والتجار، لا تبدو معركة إعادة الإعمار اليوم مجرد إعادة بناء الجدران، بل محاولة لإعادة تحديد القواعد التي حكمت هذه الأسواق طوال قرن كامل. فهل ينجح المشرع السوري في طرح حلول من شأنها إنقاذ هذه الأسواق وإعادة الحياة إليها؟!




