اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-30 22:13:00
عبد القادر العبيد لم يكن 7 أكتوبر حدثا عابرا في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولا محطة إضافية في سجل الصراعات المفتوحة في الشرق الأوسط. ما حدث ذلك اليوم مثّل منعطفاً تاريخياً كشف عن هشاشة التوازنات التي استمرت لعقود من الزمن، وأعلن عملياً نهاية مرحلة سياسية إقليمية، وبداية إعادة هيكلة شاملة لمعادلات القوة والنفوذ في المنطقة. لسنوات طويلة، عاش العالم الإسلامي حالة من الانقسام غير المعلن، الذي تم تقديمه على أنه توازن مصالح، بينما كان في جوهره توزيعا متعمدا للأدوار. محور أول تقوده تركيا، ومحور ثان يتمحور حول المملكة العربية السعودية، وبينهما فراغ استراتيجي انفتح على مصراعيه أمام إيران، تستطيع من خلاله أن تتسلل وتفرض نفسها كلاعب ثالث، لا وسيط ولا مكمل، بل طرف يهدد التوازن نفسه. ولم يكن هذا الترتيب وليد الصدفة، بل نتاج رؤية أميركية تعود إلى ما بعد الحرب الباردة، رسمت أولى ملامحها في عهد جورج بوش الأب، وتحولت إلى واقع ملموس في عهد بوش الابن، مع فتح البوابة الشرقية لإيران عقب الإطاحة بنظام صدام حسين. وكان الهدف في ذلك الوقت واضحا في بنيته، وإن بدا معقدا في أدواته. إشغال العالم الإسلامي بصراعات داخلية طويلة الأمد، واستنزاف قوته السياسية والاقتصادية، وترك إسرائيل تنمو في بيئة إقليمية مجزأة، دون مواجهة كتلة متماسكة قادرة على فرض توازن حقيقي. ومن يعتقد أن إسرائيل كانت تقود هذه الخطة فهو يخطئ في قراءة منطق العلاقات الدولية. إسرائيل، في التحليل البارد، ليست سوى قاعدة متقدمة للمصالح الغربية في قلب المنطقة، أنشئت لتأمين طرق التجارة والطاقة وضمان التفوق الاستراتيجي. يعلمنا التاريخ أن القواعد تحظى بالدعم طالما أنها مفيدة، ويتم إهمالها عندما تصبح عبئا. لكن ما حدث لاحقاً كشف عن خلل عميق في تلك الاستراتيجية. لقد توسعت إيران إلى ما هو أبعد مما قُدر لها. لقد تجاوزت أذرعها نطاق الضغط المحدود، وتحولت إلى شبكة إقليمية عابرة للحدود، لا تهدد العالم العربي فحسب، بل تؤثر أيضا على التوازن الذي كان من المفترض أن تتحرك ضمنه. عند هذه النقطة، أصبح من الواضح أن الخطة القديمة قد أدت غرضها، وأن استمرارها لم يعد يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح القوى الكبرى. وجاء السابع من أكتوبر لتسريع هذا الإدراك. وبعد أكثر من عشرين عاماً من استراتيجية إدارة الفوضى، أثبت الرهان عليها فشله. وقد بدأ التحول نحو نهج جديد يرى في الأنظمة السنية المستقرة شريكاً أكثر موثوقية، وأقل تكلفة، وأكثر قدرة على بناء توازن طويل الأمد. وهنا عادت إلى الواجهة ملامح الرؤية التي طرحت خلال الولاية السابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي قامت على إعادة توجيه البوصلة نحو منطق المصالح المباشرة، وجسدتها الاتفاقات الإبراهيمية، ليس كهدف نهائي، بل كنقطة انطلاق لإعادة ترتيب المنطقة. وفي هذا السياق، بدأت عملية تفكيك السلاح الإيراني، وتراجع الغطاء السياسي الذي كان يوفر لها هامشاً واسعاً من الحركة في أكثر من ساحة. وكانت سوريا قلب هذا التحول. ولم تكن الجغرافيا السورية مجرد ساحة صراع، بل كانت حلقة وصل بين الخليج وتركيا وأوروبا، ومفتاحا للتوازن في المشرق العربي. وإبقاؤه في حالة استنفاد يخدم مشروع الفوضى، لكن تركه أكثر ينذر بانفجار إقليمي شامل. ولذلك فإن التحول في الموقف الدولي بشأن سوريا لم يكن نتيجة لحظة، بل نتيجة مراجعة طويلة انتهت إلى القناعة بأن استمرار الوضع السابق لم يعد مستداما. وهنا برز الدور السعودي بشكل واضح. خلال خمسة عشر عاماً من الاضطرابات، حافظت المملكة العربية السعودية على تماسكها، وقدمت نموذجاً للدولة القادرة على امتصاص الصدمات وقراءة التحولات بعقل استراتيجي بعيد عن العاطفة. وبينما انهارت العواصم العربية تحت وطأة الفوضى، ظلت الرياض ركيزة التوازن ورافعة سياسية واقتصادية للعالم العربي. لم يكن وعي القيادة السعودية بأهمية سوريا عاطفيا ولا فوريا. لقد كان إدراكًا يعتمد على قراءة عميقة للتاريخ والجغرافيا. غياب سوريا لم يكن غياب الدولة، بل غياب محور التوازن العربي الكامل. ومن هنا جاء الانفتاح السعودي، وفتح باب عودة سوريا إلى محيطها الطبيعي، والعمل على رفع العقوبات عنها، كاستثمار في الاستقرار الإقليمي، وليس مجاملة سياسية عابرة. تحرير سوريا من العزلة أعاد رسم الخريطة. وقطع طرق التوسع، وأعاد التوازن إلى مناطق كانت مختلة لفترة طويلة، وخفف الضغط عن الدول التي كانت تقف على حافة الانفجار. والأهم أنها أعادت الاعتبار إلى منطق الدولة في مواجهة منطق الفوضى. واليوم، تقف المنطقة أمام فرصة نادرة. إن التحالف العربي والإقليمي، بقيادة المملكة العربية السعودية، ويمتد عبر سوريا إلى تركيا، قادر على تشكيل قوة ردع حقيقية، ليس بالسلاح وحده، بل بالاقتصاد والاستقرار والتكامل السياسي. إن ازدهار العلاقات بين الرياض ودمشق ليس خياراً سياسياً عابراً، بل هو ضرورة تاريخية، وفرصة لإغلاق فصل طويل من الانقسام، وفتح أفق جديد لمنطقة أنهكتها الصراعات، وتستحق أخيراً أن تتنفس الاستقرار.




