اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-20 14:14:00
حسام الدين قصاص، تصاعدت الاحتجاجات في عدة مناطق سورية خلال الأسابيع الأخيرة للمطالبة بتفعيل العدالة الانتقالية وتسريع محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة، وسط انتقادات متزايدة من الناشطين وذوي الضحايا لما يصفونه بطء الإجراءات الرسمية، إضافة إلى ما يعتبرونه عودة ظهور بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق في بعض المناطق. ورفعت شعارات تطالب بمحاسبة من يصفهم المشاركون بـ”الشبيحة” و”الفلول”، ومنع إعادة دمجهم قبل إخضاعهم للمحاسبة. في المقابل، ظهرت في بعض الأحداث دعوات للانتقام الشعبي تجاوزت هذا السقف، الأمر الذي يتطلب، بحسب أطراف متعددة، رفضاً واضحاً له لما قد يشكله من تهديد للسلم المدني. ومن ناحية أخرى، أكدت الحكومة السورية ووزارة الداخلية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مراراً وتكراراً أن عملية المساءلة هي من اختصاص مؤسسات الدولة، وأن أي ممارسات انتقامية أو محاولات لإيفاء الحق غير مقبولة وتشكل تهديداً للاستقرار والسلم المدني. وفي ظل هذا التوتر وارتفاع وتيرة الحراك الشعبي المطالب بتسريع إجراءات المساءلة، ظهرت سلسلة بيانات، نشرت تحت اسم “ثوار المنطقة” أو “أبناء المنطقة”، أكدت رفضها لدعوات التظاهر أو التصعيد الشعبي، ودعت إلى الثقة بالدولة ومؤسساتها، وحصر المطالب في القنوات الرسمية. ويمكن رصد عدد من هذه البيانات التي صدرت بأسماء متعددة مثل: “ثوار حلب الأحرار”، “ثوار وأحرار بلدة الدير خبية”، “ثوار وأحرار حي السكري”، “ثوار وأهالي بلدة السبينة”، “ثوار مدينة زكية وثوار وأهالي داريا”، “ثوار حي الميسر بحلب”. “ثوار حلب القديمة”، بالإضافة إلى “القوى الثورية والفعاليات المدنية في يلدا وببيلا وبيت”. “سهم” وبيانات أخرى مماثلة في مناطق أخرى. ومضمون هذه التصريحات لا يثير الجدل بقدر ما تثيره ظروف صدورها. إن التطابق والتشابه الكبير في الرسائل الأساسية، وتكرار العبارات نفسها تقريبا في مناطق متباعدة جغرافيا، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التصريحات تعبيرا عن مبادرات محلية مستقلة، أم أنها جزء من خطاب منسق يهدف إلى التأثير على المزاج العام وتوجيه النقاش حول ملف العدالة الانتقالية. ومن خلال تحليل مضمون هذه التصريحات، يمكن ملاحظة أنها متشابهة من حيث البنية واللغة السياسية وتوقيت الإصدار بين الخميس 18 يونيو والجمعة 19 يونيو. وتتقاطع جميعها في خطاب يركز على الثقة بالدولة ورفض التظاهرات والتصعيد الشعبي، والدعوة لتقديم الشهادات إلى الجهات المختصة، مع التحذير من الفوضى والانجرار نحو الانتقام. في المقابل، يلاحظ أن هذه البيانات صادرة عن جهات لا يمكن تحديدها أو تعريفها، ولا تنتمي إلى كيانات منتخبة أو لها هيكل تنظيمي معروف، بل تأخذ شكل كيانات فضفاضة تدعي تمثيل مجتمعات محلية واسعة دون إمكانية واضحة لتتبع مصدرها أو آلية تشكيلها. كما تتضمن رسائل متكررة تتضمن: دعم العدالة ومحاسبة المتورطين، رفض التحركات الشعبية، التحذير من الدعوات من مصادر مجهولة، الدعوة إلى اللجوء إلى الجهات الرسمية، التأكيد على الثقة بالدولة، والتحذير من الفوضى وزعزعة الاستقرار، بالإضافة إلى الإيحاء بوجود جهات تستغل الملف لإثارة الفتنة. وهي تقريباً نفس الرسائل التي وردت في البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في 14 يونيو/حزيران. وعلى مستوى اللغة السياسية، يلاحظ أن مفردات مثل: السلم الأهلي، والاستقرار، والإجراءات القانونية، والجهات المختصة، واستغلال الظروف، والفوضى، ومجهولة المصدر، والثقة في الدولة تتكرر. وهذا يدل على وجود إطار لغوي شبه موحد، وإن كان التشابه اللغوي قد يكون طبيعيا إذا كان هناك تقاطع في المواقف السياسية. لكن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في التشابه اللغوي، بل في مدى تمثيل هذه التصريحات فعلياً للأطراف المنسوبة إليها، خاصة أنها تظهر أن “الثوار” (بصيغة هذه التصريحات) يدعون إلى عدم التظاهر، وهو ما يتناقض مع إحدى أبرز أدواتهم الاحتجاجية وما اعتادوا عليه خلال سنوات الثورة، سواء في مواجهة نظام الأسد أو السلطات المحلية في المناطق المحررة. أعتقد أن أول ما يتبادر إلى أذهان الثوار عند الحديث عن الثورة هو صورة المظاهرة في الشارع العام. وهذا ينسجم مع مفهوم «صنع الإجماع»، أي خلق انطباع بموقف شعبي واسع ومتماسك من خلال تكرار الرسالة نفسها من أطراف تبدو مستقلة اسمياً. ونظراً لانسداد المجال العام في سوريا، وغياب آليات التمثيل السياسي الطبيعية نتيجة غياب الأحزاب والنقابات والبرلمان، وحتى المجالس المحلية المنتخبة، تظل وسائل التواصل الاجتماعي تقريباً هي الفضاء الأساسي لتشكيل النقاش العام، على الرغم من قيودها ومشاكلها. وفي هذا السياق، تكتسب هذه التصريحات أهمية مضاعفة مقارنة بالسياقات الأخرى التي يمكن اعتبارها مجرد منشورات رأي عابرة. وهنا يطرح سؤال جوهري حول من يملك هذا الفضاء العام الهش، ومن يملك القدرة على تشكيل سرده. إن وجود حملات تبدو عفوية وتتحدث باسم «أهالي» و«ثوار» محليين يوحي، من خلال السياق العام، بأنها قد تكون موجهة أو منسقة بشكل ما، خاصة في ظل ظهور ردود فعل تشكك فيها. على سبيل المثال، أشار منشور للمركز الإعلامي في مدينة داريا إلى أن البيان الصادر باسم “ثوار وأهل داريا” مجهول المصدر للكثير من سكان المدينة. كما صدرت تعليقات مماثلة طالبت صفحة حي الميسر بتوضيح الجهة التي أصدرت البيان ومن تمثله، وهو النمط الذي تكرر بدرجات متفاوتة في معظم البيانات المذكورة. وهذا النوع من تقليص التمثيل الشعبي قد ينعكس سلباً على الحياة السياسية الهشة أصلاً في سوريا، ويزيد من هشاشة الاستقرار الناتج عن ضعف البنية التمثيلية. كما يطرح تساؤلاً حول كيفية استقبال السوريين للبيانات المستقبلية التي تصدر باسم “الثوار والشعب”، في ظل تزايد الشكوك حول شرعية الجهات التي تصدرها. فالأمر يتجاوز خلق إجماع وهمي، إلى إعادة تشكيل صورة الفاعلين الاجتماعيين، من خلال تصوير المطالبين بالاحتجاجات السلمية وكأنهم أقلية مشبوهة أو لديهم أجندات خاصة بهم. وهذا بدوره يعمق الانقسام المجتمعي القائم أصلا، حيث يشعر جزء من المجتمع بأنه يستخدم للتعبير عن موقف لا يمثله في الواقع، مما يؤدي إلى حالة من الشك الداخلي بين مكونات المجتمع نفسه، ويعزز صورة “الآخر” باعتباره تابعا لجهات معادية تستهدف السلم والاستقرار الأهلي. ومع تراكم هذا النوع من الخطابات، قد تتحول هذه التصريحات إلى بذور لصراعات مستقبلية، تنمو في بيئة مشبعة أصلاً بالشكوك وعدم الثقة، بدلاً من أن تكون عاملاً للهدوء أو الاستقرار.

