اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-02 12:28:00
مركز المعلومات الفلسطيني في مخيم إيواء صغير يقع غرب مخيم النصيرات، يجلس عشرات الأطفال حول الخيام المتجاورة، ويحاول بعضهم صنع ألعاب من بقايا الخشب أو قطع البلاستيك المتناثرة. لا توجد حديقة عامة قريبة ولا ملعب مجهز أو مركز متخصص لاستيعاب وقتهم الطويل، وبينما يتحدث الكبار عن المساعدات وإعادة الإعمار والهدنة، يقضي الأطفال ساعاتهم في الانتظار. بالنسبة لآلاف الأطفال في غزة، لم تعد الحرب مجرد حدث مضى وانتهى، بل أصبحت واقعا ترك بصماته على تفاصيل الحياة اليومية. ورغم الهدنة الهشة التي خففت من حدة القصف، إلا أن آثار الحرب لا تزال تحيط بالأطفال من كل جانب، بدءاً من المنازل المدمرة والمدارس المتضررة أو المهدمة، وصولاً إلى غياب المساحات التي من المفترض أن تمنحهم فرصة اللعب والتعلم والتواصل الاجتماعي. وتحذر منظمات أممية ومتخصصون في شؤون الطفولة من أن التحدي الذي يواجه أطفال غزة اليوم لا يقتصر على الاحتياجات الأساسية من غذاء ومأوى ورعاية صحية، بل يشمل أيضا أزمة متنامية تتعلق بالفراغ النفسي والاجتماعي الذي يعيشه الأطفال في بيئة تفتقر إلى المساحات الآمنة والأنشطة المنظمة. الطفولة المؤجلة في الظروف العادية، يقضي الأطفال جزءًا كبيرًا من يومهم في المدارس والحدائق والساحات الرياضية ومراكز الأنشطة المختلفة. لكن في غزة، أدت الحرب وما رافقها من دمار واسع النطاق وتهجير متكرر إلى تقلص هذه المساحات بشكل كبير. وتعرضت العديد من الحدائق العامة لأضرار مباشرة أو أصبحت غير صالحة للاستخدام، في حين تحولت بعض المدارس والمرافق العامة إلى مراكز إيواء للنازحين على مدى فترات طويلة. وحتى بعد تراجع حدة العمليات العسكرية، لا تزال آلاف الأسر تعيش في مساكن مؤقتة أو في مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من المرافق الترفيهية للأطفال. وقال العاملون في المجال الإنساني لمراسل المركز الفلسطيني للإعلام، إن الأطفال يقضون ساعات طويلة دون أنشطة منظمة أو برامج منتظمة تستوعب احتياجاتهم الطاقة والنفسية، وهو ما ينعكس على سلوكهم وصحتهم النفسية وقدرتهم على التكيف مع الظروف المحيطة. اللعب ليس ترفا. غالباً ما يُنظر إلى اللعب على أنه نشاط ترفيهي فقط، لكن خبراء الطفولة يؤكدون أنه عنصر أساسي في النمو النفسي والاجتماعي للأطفال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات. ويرى خبراء حماية الطفل في اليونيسف أن المساحات الملائمة للأطفال والأنشطة الترفيهية المنظمة تشكل جزءاً أساسياً من عملية التعافي بعد النزاع، لأنها تمنح الأطفال فرصة للتعبير عن مشاعرهم، واستعادة الروتين اليومي، والشعور بالأمان. وفي هذا السياق، أكد جوناثان كريكس، المتحدث باسم اليونيسف في فلسطين، في تصريحات إعلامية سابقة، أن غالبية أطفال غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، وأن الحرب تركت آثارا عميقة على الصحة النفسية للأطفال في القطاع. ويرى أن أطفال غزة بحاجة إلى أكثر من مجرد مساعدات إنسانية طارئة، لافتا إلى أهمية توفير بيئات آمنة تساعدهم على التعلم واللعب والتعافي من آثار الحرب. فراغ يهدد التعافي. ويحذر مختصون من أن الفراغ الطويل الذي يعيشه الأطفال قد يتحول إلى أحد أخطر التحديات في فترة ما بعد الحرب، خاصة مع الغياب الكبير لدور المدارس نتيجة تدميرها وتشغيلها الجزئي وغير المستقر. فالطفل الذي لا يجد مدرسة مستقرة أو مكان لعب أو مركز مجتمعي يحتضنه يصبح أكثر عرضة للانسحاب الاجتماعي والاضطرابات النفسية وصعوبات التعلم. إن غياب الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية يحرم الأطفال من فرص مهمة لتنمية مهاراتهم وبناء علاقاتهم الاجتماعية. يؤكد العاملون في برامج حماية الطفل أن الكثير من الأطفال اليوم يحتاجون إلى أكثر من جلسات الدعم النفسي التقليدية. إنهم بحاجة إلى أماكن يمكنهم فيها استعادة الشعور بالحياة الطبيعية، والتفاعل مع أقرانهم، والمشاركة في الأنشطة المناسبة لأعمارهم. أزمة تتجاوز الأرقام. وتتحدث تقديرات الأمم المتحدة عن احتياجات غير مسبوقة للأطفال في قطاع غزة. وبحسب بيانات وكالات الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من مليون طفل إلى خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي، في وقت لا تزال المؤسسات الإنسانية تواجه تحديات كبيرة في تلبية هذا الطلب المتزايد. وفي مارس 2026، قالت سيما العلمي، مسؤولة برنامج المراهقين والشباب في صندوق الأمم المتحدة للسكان، إن غالبية الأطفال في غزة تعرضوا لمستويات عالية من الخوف والضغط النفسي خلال الحرب، مؤكدة على ضرورة توسيع خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والمراهقين. إلا أن هذه الاحتياجات تتجاوز الجانب العلاجي المباشر، لتشمل توفير بيئة مجتمعية تسمح للأطفال باستعادة جزء من حياتهم الطبيعية، والتي لا تزال محدودة في العديد من مناطق قطاع غزة. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها المؤسسات المحلية والدولية، فإن حجم الدمار واتساع الاحتياجات يجعل الاستجابة أكثر تعقيدا. ووفقا لتقارير الأمم المتحدة الأخيرة، فإن الطلب على خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي لا يزال يتجاوز القدرات المتاحة، ويتم تنفيذ العديد من البرامج في إطار الاستجابة لحالات الطوارئ، في حين يحتاج الأطفال إلى خدمات مستدامة تمتد لسنوات، نظرا للطبيعة طويلة المدى للآثار النفسية والاجتماعية للحرب. ويشير المختصون إلى أن التركيز على إعادة بناء البنية التحتية وحده لن يكون كافيا لتحقيق التعافي الحقيقي، إذا لم يرافقه استثمار جدي في بناء مساحات مجتمعية مخصصة للأطفال. في غزة اليوم، لا تقتصر عملية إعادة الإعمار على المباني فحسب، بل تتعلق بإعادة بناء البيئة التي تسمح للأطفال بالنمو بطريقة صحية وآمنة. الحدائق العامة والملاعب والمراكز الثقافية والمساحات الملائمة للأطفال ليست مشاريع ترفيهية ثانوية، بل هي مكونات أساسية في عملية تعافي المجتمع. ويرى مختصون أن الاستثمار في هذه المرافق يمكن أن يسهم في الحد من آثار الصدمات النفسية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ومنح الأطفال فرصة لاستعادة جزء من طفولتهم التي فقدوها خلال سنوات الحرب. ومع استمرار الهدنة الهشة وتباطؤ جهود إعادة الإعمار، يظل مئات الآلاف من الأطفال عالقين بين آثار الماضي ومخاوف المستقبل، وبين الخيام والأحياء المدمرة، يحاولون خلق مساحات صغيرة للعب والحياة، في انتظار تحول إعادة الإعمار من إعادة البناء بالحجر إلى إعادة بناء الطفولة نفسها. في النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر هو ترميم المباني التي دمرتها الحرب، بل استعادة السنوات التي ضاعت من حياة جيل كامل نشأ في ظلها.




