وطن نيوز
وقال محمد باقر قاليباف في “مقابلة النصر” مع التلفزيون الإيراني مساء الأربعاء: “كل ما أردنا تحقيقه من خلال الهجوم، حققناه من خلال المفاوضات عشرة أضعاف. لقد حققنا إنجازات كثيرة بفضل عدم استجابتنا. رأيتم كيف أعلن ترامب وقف إطلاق النار في لبنان حتى الساعة الثانية صباحا… وهذا يعني أن المفاوضات أسلوب للنضال”. وأشار قاليباف، رئيس مجلس النواب ورئيس الوفد المفاوض مع الولايات المتحدة، إلى الإملاءات المفروضة على ترامب في لبنان. لكنه وجه أيضاً رسالة واضحة إلى منتقدي مذكرة التفاهم في إيران، وإلى خصومه السياسيين الذين ابتهجوا بما وصفوه بالتنازلات المفرطة التي قدمتها طهران للولايات المتحدة. ومن المقرر أن يوقع قاليباف مذكرة التفاهم في سويسرا، بعد أن وقعها الرئيس مسعود بيزشكيان إلكترونيا الأربعاء. لكن المحادثات تم تأجيلها مؤقتا. وشدد قاليباف على أن “إيران اتخذت موقفا قويا، لكن القوة وحدها لا تكفي لتحقيق هذه الأهداف العظيمة”. وأوضح أن الدبلوماسية الحازمة ستكون النهج المتبع من الآن فصاعدا. “الشعارات ليست قوة، والشرنقة التي يمكن فتحها باليد ليست مبررا لفتحها بالأسنان.” وفي الواقع، فإن أحكام مذكرة التفاهم الأربع عشرة تظهر بوضوح وإيجاز نطاق انتصار إيران وإنجازاتها. وينص الاتفاق على بقاء المشروع النووي قائما في الوقت الحالي، دون أن يحدد ما إذا كان سيتم التخلص من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة وإرساله إلى دولة أخرى، وكيفية تقليل تركيزه، وسيحافظ الطرفان على الوضع الراهن. ويعني هذا الاتفاق أن إيران ستحتفظ خلال المفاوضات بمخزونها من اليورانيوم عند جميع مستويات التخصيب، ولن تفرض الولايات المتحدة عقوبات إضافية عليها. كما تنص على أنه سيتم مناقشة مستقبل المشروع النووي والإشراف عليه بالتفصيل مع الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة النووية رافائيل غروسي، الذي من المقرر أن ينضم إلى المناقشات. ونظراً للتسامح الذي أبداه ترامب تجاه الصواريخ الباليستية الإيرانية، يبدو أن أي اتفاق يوقعه مع إيران سيسمح لها بتخصيب اليورانيوم عند مستوى منخفض، كجزء مما تعرفه بـ “حقها السيادي”. وفيما يتعلق بالصواريخ، فإن التفسير الذي قدمه ترامب لإزالتها من الأجندة مثير للاهتمام، حيث أوضح: “إذا امتلكتها دول أخرى، فمن الظلم أن لا تمتلك إيران بعضها”. العدالة سمة أساسية من سمات ترامب، ولا يسع المرء إلا أن يتساءل لماذا منع إيران من تطوير سلاح نووي، في حين تمتلكه جارتاها، الهند وباكستان، وتمتلكه إسرائيل أيضا (بحسب مصادر أجنبية). وبموجب توقيع مذكرة التفاهم ستحصل إيران على مكاسب فورية. وستكون قادرة على تصدير النفط دون قيود، وستحصل (بموجب اتفاقية منفصلة) على مليارات الدولارات المجمدة في بنوك العالم. وسيقوم البنك المركزي الإيراني بإدارة هذه الأموال بشكل مباشر، وسيكون له السلطة الحصرية لتحديد أين سيتم إنفاقها. سيتم رفع جميع القيود المفروضة على التحويلات والمعاملات المصرفية، بما في ذلك من خلال البنوك الأمريكية. ومن الناحية العملية، يعني ذلك أن إيران ستتمكن قريباً من تسويق نحو مليوني برميل يومياً، مع الأخذ في الاعتبار القيود الفنية الناجمة عن الحاجة إلى إعادة تأهيل آبار النفط والمضخات ومنشآت التكرير التي تضررت من الهجمات. وسيكون بمقدورها بعد ذلك زيادة الكمية إلى طاقتها الإنتاجية القصوى، والتي قد تصل إلى 4.5 مليون برميل يوميا. ولهذا القول فائدة أخرى مهمة؛ فهو يسمح لإيران بتقاضي سعر السوق كاملا مقارنة بالخصومات الباهظة التي اضطرت إلى منحها للصين خلال فترة العقوبات، والبدء في البحث عن عملاء جدد والتنافس مع دول الخليج على هذه الأسواق. وبدأ بالفعل فتح مضيق هرمز والإفراج عن نحو 1800 ناقلة عالقة في موانئ دول الخليج، مع تعهد إيران بعدم تحصيل أي رسوم أو مدفوعات أخرى كرسوم عبور لمدة ستين يوما. ولصيغة هذا البند أهمية خاصة، إذ أن الإعفاء من الرسوم لمدة ستين يوما لا علاقة له بمدة المفاوضات. وإذا لم يكن هناك حظر على تحصيل الرسوم بعد هذه الفترة، فقد تحصل إيران على مصدر دخل إضافي مهم قد يصل إلى أكثر من 100 مليون دولار يوميا من رسوم «خدمات الملاحة». كما ستستفيد من هذه الاتفاقية سلطنة عمان التي تسيطر على جزء من مضيق هرمز. وبموجب المذكرة، ستتفاوض إيران مع الولايات المتحدة بشأن ترتيبات إدارة هذا الممر الملاحي وإنشاء آلية للتشغيل المشترك للمرور عبر المضيق. وبشرط التوقيع على اتفاق دائم، تلتزم الولايات المتحدة برفع جميع العقوبات المفروضة على إيران والمساعدة في إنشاء صندوق إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية بمبلغ لا يقل عن 300 مليار دولار. ويتطلب هذا البند حل عدد من الصعوبات القانونية والسياسية في البداية: أولاً، يتطلب رفع العقوبات الدولية التي أعيد فرضها على إيران في أكتوبر/تشرين الأول كجزء من آلية “العودة التلقائية” قراراً جديداً من مجلس الأمن، ومن المتوقع أن تتم الموافقة عليه. لكن بعض العقوبات الأميركية على إيران فرضها الكونغرس كجزء من الحملة ضد دعمها للإرهاب، وليس كضغط لتجميد مشروعها النووي. ورفع هذه العقوبات ليس من صلاحيات الرئيس، ويبدو أنه سيواجه صراعا سياسيا بشأنه، خاصة إذا خسر حزبه في الانتخابات النصفية. ثانياً، من المتوقع أن يواجه إنشاء صندوق التنمية الحلم المخصص لتلبية مطالب إيران بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بها نتيجة الحرب صعوبات. ويعتمد نجاحها على مدى استعداد الشركات الخاصة والدول الأجنبية للمشاركة، وخاصة دول الخليج. ومن غير المرجح أن نشهد قريباً إقبالاً كبيراً من قبل الشركات والدول التي ترغب في استثمار أموالها في نظام واقتصاد يسيطر عليهما الحرس الثوري. ولكن حتى لو توفر المتطوعين، فسيتعين على إيران أولاً إجراء إصلاح شامل لنظامها الاقتصادي والمصرفي وسن سلسلة من القوانين التي تضمن الاستثمارات الأجنبية وتوفر مجالات استثمارية مربحة. وهذا يعني شراء الشركات الإيرانية الخاضعة حاليا لسيطرة الحرس الثوري. والأهم من ذلك أنه سيتعين على إيران تقسيم المكاسب بين هذه الدول والشركات والصين، التي وقعت معها اتفاقية استراتيجية بقيمة 400 مليار دولار على مدى 25 عاما. وبموجب هذه الاتفاقية حصلت الصين على الاحتكار وحق الأولوية للاستثمار في مجال الطاقة والاتصالات والبنية التحتية. إن المكاسب الاقتصادية الناجمة عن توقيع مذكرة التفاهم التي وعدوا بها مقابل الاتفاق النهائي، هي الدليل البارز على نجاح المفاوضات التي أجرتها إيران مع الرئيس الأميركي الذي قرر إنهاء القصة. ولكن النتائج الاستراتيجية أكثر أهمية كثيرا؛ تعيد إيران رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط، وتفرض على دول المنطقة ضرورة تحديث سياستها الأمنية، ومراجعة علاقاتها مع أميركا، واستثمار رأس المال في إيجاد بدائل واقعية لنقل موارد الطاقة من الخليج، والاستعداد للعودة إلى المجتمع الدولي كقوة إقليمية شرعية. إضافة إلى ذلك، فإن الطريقة التي ضغطت بها إيران على ترامب فيما يتعلق بلبنان هي دراسة حالة تشير إلى الاتجاه الذي قد تسلكه البلاد. ولا يقتصر الأمر على وقف إطلاق النار الذي نجحت في فرضه على إسرائيل، أو إظهار التزامها بالحفاظ على مكانة حزب الله وقوته. خلال العام الماضي، خاضت طهران معركة شاقة ضد الحكومة اللبنانية ورئيسها، اللذين أطلقا حملة غير مسبوقة لاجتثاث النفوذ الإيراني وتحييده. إن موافقة الحكومة اللبنانية على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في إشارة إلى رغبتها في التوصل إلى اتفاق سلام وإعلان “لا توجد حالة حرب” بين البلدين، فُسر في إيران على أنها خطوة قد تكمل تفكك المحور الإيراني بعد خسارته سوريا. وقد أوضحت عدة نقاط انعطاف لإيران خطورة التهديد: نداء الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إلى المملكة العربية السعودية لمراجعة سياستها تجاه الحزب؛ مشاركة تركيا كوسيط بين حزب الله وسوريا؛ تردد رئيس مجلس النواب الشيعي في لبنان نبيه بري بين دعم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ودعم احتكار الدولة للسلاح في لبنان. لكن إيران تظهر الآن فقط باعتبارها الطرف الذي حقق وقف إطلاق النار في لبنان، وهو ما عجزت الحكومة المنتخبة مع إسرائيل عن تحقيقه. ومن المتوقع أيضا أن تمول عملية إعادة إعمار جنوب لبنان. بالإضافة إلى ذلك، فإن ضمان مكانة حزب الله وتسليحه يعزز قوة الميليشيات الشيعية في العراق في مواجهة الضغوط الأمريكية على الحكومة العراقية لنزع سلاحها وإبعادها عن مواقع السلطة. وهكذا تغير إيران وضع وأهداف عملائها، الذين تحولوا من قوات مسلحة رديفة تهدف إلى كبح الهجمات عليها وكسب نفوذها في الدول، إلى أصول استراتيجية تشكل ملامح النفوذ الإقليمي الذي تطمح إليه. وقد يتعزز هذا النفوذ عندما يتم رفع العقوبات عن إيران، حيث ستتمكن بعد ذلك من الاستثمار، ليس فقط في التنظيمات والميليشيات، بل أيضا بشكل مباشر في دول المنطقة وخارجها، كما فعلت سابقا في السودان وفي عدة دول في أفريقيا وأميركا الجنوبية، وهذه المرة بمبالغ مالية ضخمة. الاتفاق مع الولايات المتحدة سيحقق هدفاً آخر: الحد من التدخل العسكري الأميركي. لقد تعلمت دول الخليج الدرس القاسي الذي أصبح واضحا لها، وهو أن القوات الأميركية في المنطقة، والقواعد العسكرية الضخمة التي تستضيفها على أراضيها، واستثماراتها الضخمة في الاقتصاد الأميركي، ووعودها بالمزيد من الاستثمارات، لا تضمن لها الحماية التي توقعتها في المقابل. أما البديل، وهو تحالف دفاعي إقليمي يضم دولاً قوية عسكرياً مثل باكستان وتركيا ومصر، فلم يظهر بعد، وسيواجه صعوبة في الظهور بسبب الاعتبارات السياسية والانقسامات العميقة بين هذه الدول. ومن المرجح أن المسار الواقعي الآخر يكمن في ترتيبات جماعية أو ثنائية بين دول الخليج وإيران، كما فعلت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بعد تعرضهما لهجوم من قبل الحوثيين والميليشيات العراقية. على خلفية هذه الرؤية، يجدر إعادة النظر في الافتراض السائد بأن إيران تسعى إلى تأخير أو تأخير أو حتى تخريب الاتفاق الدائم مع الولايات المتحدة. فعندما يُتوقع أن يتم تأمين مشروعها النووي ضمن النطاق المحدد في الاتفاق النووي الأصلي، وعندما لا يكون هناك أي ضغط عليها لتسريع إنتاج الصواريخ الباليستية قبل فرض الحظر عليها، وعندما يكون قطاعها الاقتصادي المحلي مدمراً ولكن العصيان المدني يقتصر على منازلها، وعندما يكون الرئيس الأميركي في مزاج تصالحي وسخاء، فسوف يكون لدى إيران كل الأسباب المنطقية لتسريع العملية. تسفي باريل هآرتس 19/06/2026




