فلسطين المحتلة – العالم يواجه حربا دينية قد تضع حدا له

اخبار فلسطين14 مارس 2026آخر تحديث :
فلسطين المحتلة – العالم يواجه حربا دينية قد تضع حدا له

وطن نيوز

لم تصدم الحرب النظام الإيراني فحسب، بل صدمت حلفائه أيضًا، وعلى رأسهم روسيا. وتتابع موسكو التطورات عن كثب، وتشعر بالقلق إزاء احتمال حدوث تغيير جذري في ميزان القوى الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وبالنسبة للكرملين، فإن إيران ليست شريكاً إقليمياً فحسب، بل إنها ركيزة أساسية في المحور الذي يهدد هيمنة الغرب، والمساس باستقرارها من شأنه أن يقوض المصالح الحيوية لروسيا. وبعد سلسلة من الاضطرابات في مناطق نفوذها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك سوريا تحت حكم الأسد وفنزويلا تحت حكم مادورو، لا تستطيع موسكو تحمل خسارة شريك استراتيجي آخر. فهي ترى في الحرب ضد إيران اختباراً لمكانتها كقوة عظمى وقدرتها على الحفاظ على نفوذها الإقليمي والعالمي. وحتى الآن، تكتفي موسكو بالضغوط الدبلوماسية وعروض الوساطة، إلى جانب الإدانات القوية للهجمات على إيران واتهام إسرائيل والولايات المتحدة بانتهاك القانون الدولي وتقويض الاستقرار في المنطقة. وأوضح مسؤولون كبار في الكرملين أن روسيا لا تنوي الانجرار إلى أي تدخل عسكري، وشددوا على ضرورة وقف إطلاق النار والعودة إلى القناة الدبلوماسية. لكن وراء هذا الخطاب الدبلوماسي المتحفظ يكمن قلق عميق، والخوف من حملة إقليمية واسعة النطاق قد تقوض نظام التحالفات الذي تعتمد عليه موسكو، وتزيد من تدهور وضعها في الشرق الأوسط. وحذر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف في مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية تاس من أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي قد يثير تصعيدا واسع النطاق، وقد يتطور إلى حرب عالمية ثالثة. ووفقا له، فإن الهجوم المشترك على إيران هو جزء من مؤامرة غربية لتقويض الوضع الراهن وفرض السيطرة الاستراتيجية في الشرق الأوسط. وأدلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتصريحات مماثلة، محذرا من أن الحرب قد تؤدي إلى نتائج عكس ما يأمله مؤيدوها، وستؤدي إلى تسريع سباق التسلح النووي في المنطقة. ووفقا له، قد تستنتج دول المنطقة أن الأسلحة النووية وحدها هي التي يمكنها ضمان أمنها من الهجمات. ولكن أولئك الذين يسعون إلى فهم عقلية الكرملين وأنصار بوتن لابد وأن يستمعوا إلى الأصوات التي لا تلتزم بالخطاب الدبلوماسي الذي يتبناه الساسة. على سبيل المثال، الفيلسوف ألكسندر دوغين المعروف بتأثيره لدى حكومة موسكو ودعوته الحماسية لتحقيق رؤية جيوسياسية تنهي الإمبريالية الغربية وفكرة عالم “أحادي القطب” تسيطر عليه حضارة واحدة وهي الحضارة الأمريكية. لقد دعا دوغين دائما إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب يقوم على الحضارات العظيمة والسيادة الوطنية كبديل للهيمنة الغربية الليبرالية. وهو يعتقد أن الأمم هي كيانات تاريخية وعضوية، لها تقاليد وقيم ووجهات نظر عالمية فريدة. ولذلك، لا ينبغي الحكم على ثقافة أمة ما بمعايير أمة أخرى، ولا ينبغي فرض قيم أمة على أخرى. لذلك، يرى دوغين أن النظام العالمي ليس سوى غطاء لـ”الإمبريالية الروحية” الأمريكية التي هدفها الوحيد إقامة عالم أحادي القطب والقضاء على السيادة الثقافية والسياسية للحضارات الأخرى. ويرى دوغين أن صعود ترامب وحركة “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” الانفصالية مثلت نقطة تحول في تاريخ العالم، حيث أصبح لدينا أخيرا رئيس مثير للجدل في البيت الأبيض يعارض اتفاقيات التجارة الدولية، ويعمل على تفكيك الناتو، ويعارض النخب العالمية والخطاب التقدمي، ويتحدى مؤسسات النظام الدولي. ورأى دوجين في ذلك فرصة لتقويض الهيمنة الليبرالية للغرب وإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب. ولكن بعد تورط القوات الجوية الأمريكية في الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي، خلص دوجين إلى أن روسيا لم تعد قادرة على الاعتماد على ترامب كحليف استراتيجي، وأنها يجب أن تستعد لمواجهة حاسمة مع الغرب. وأعلن حينها: «الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل». ومع انطلاق الحملة الانتخابية الحالية، أطلق دوغين حملة مكثفة من التغريدات والمقابلات مع وسائل الإعلام، بعضها مع وسائل إعلام غربية، أعرب فيها عن خيبة أمله من ترامب الذي أصبح في رأيه دمية في أيدي الصهاينة، ودعا روسيا إلى الاستعداد لحرب يوم القيامة: «هذه الحرب ضدنا.. إذا سقطت إيران فسنكون التاليين». وفي مقابلة أخرى، وجه دوغين تهديدًا ضمنيًا: “الأمريكيون والإسرائيليون لا يعرفون معنى الحرب الحقيقية، لكنهم سيكتشفون ذلك قريبًا. إذا صمدت إيران، فكل شيء ممكن”. أهمية تصريحات دوغين لا تكمن فقط في انعكاسها للخوف والألم والتيارات العميقة لدى النخبة السياسية في موسكو، بل أيضا في تأثيرها على النظام الأيديولوجي لليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة. وباعتباره ضيفًا مطلوبًا في وسائل الإعلام الدولية ومنتقدًا لاذعًا للنظام العالمي، يحظى دوغين باهتمام متزايد في الأوساط السياسية والفكرية، التي تنظر إليه كمحلل للصراع الجيوسياسي بين حركات الصحوة الوطنية و”النخبة الغربية العالمية”. مرة أخرى، لا يتردد دوغين في استخدام أسلوب مؤثر، مستخدمًا عالمه الغني بالاستعارات الكارثية للتأكيد على خطورة هذه اللحظة التاريخية. وقال الأسبوع الماضي في مؤتمر عبر الإنترنت: “إننا نقترب من حرب ميتافيزيقية… إن استخدام الأسلحة النووية لم يعد فكرة مجردة، بل حقيقة ملموسة… هذه حرب خارقة للطبيعة… يجب ألا نتساهل مع الشيطان”. يعرف دوغين أن وراء الصراع الوطني الإقليمي والسياسة العالمية بشكل عام، يوجد بعد لاهوتي عميق يمنح الصراعات الجيوسياسية دلالات ميتافيزيقية وحتى أخروية. وفي مقابلة مع الصحفي جوني ميلر من قناة برس تي في الإيرانية في يوليو/تموز 2025، أوضح دوغين أن الهجوم الإسرائيلي على إيران ليس سوى استنزاف للمشروع الصهيوني الذي يهدف بالأساس إلى تحقيق رؤية “إسرائيل الكبرى” التي تعتبر إيران عائقا كبيرا أمام تحقيقها. وأوضح أن الصهيونية ليست سوى مسيحانية كاذبة شوهت الفكرة المسيحانية اليهودية التقليدية واستبدلتها بإله قومي زائف. لقد حلت المسيانية السياسية للصهيونية محل انتظار يهود الشتات لمجيء المسيح. وقال في مقابلة مع قناة “وطن نيوز” الروسية في يونيو الماضي: “إنهم يعتقدون أنهم المسيح المنتظر.. نتنياهو الآن يتصرف وكأنه المسيح المنتظر. يشن حربا على كل الشعوب غير اليهودية في الشرق الأوسط، ويدمر الشعب الفلسطيني.. سياسة نتنياهو مبنية على مزيج من الميتافيزيقا والأخرويات والسياسة، تماما كما كان الحال في عصر التوراة القديم. وهذا هو جوهر الصهيونية.” ويحذر دوغين من أن المرحلة المقبلة ستكون قصف المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه. لدى نتنياهو «وعي ساحر»، لكن الشيعة على الجانب الآخر يفكرون أيضاً بنفس الطريقة. فالسياسة بالنسبة لهم تحركها دوافع أخروية وتوقع ظهور المهدي، الإمام الثاني عشر الخفي الذي سيقضي على المسيح الدجال الذي يجسده الغرب العلماني المادي والصهيونية. وأوضح: “بالنسبة لإيران، إسرائيل عدو ميتافيزيقي”. باختصار، يشرح دوغين أن هذا انفجار أخروي، ومواجهة عالمية بين مفاهيم مختلفة لنهاية الزمان، تبلغ ذروتها في هذه اللحظة التاريخية. من ناحية، فكرة المسيح الدجال لنتنياهو وسموتريش وبن جفير، ومن ناحية أخرى، عقيدة الأخروية الشيعية مع وجود الإنجيليين والصهاينة المسيانيين في الولايات المتحدة، بدعم من ليندسي جراهام وتيد كروز وأمثالهم، الذين يعملون في الخفاء ويعتبرون روسيا “مملكة الشمال” ويأجوج ومأجوج، والتي حسب تفسيرهم لنبوة نهاية الزمان، هي متجهة. لقيادة الحرب الكارثية ضد إسرائيل. وقال دوغين: “علينا أن نغير قراءتنا للواقع الجيوسياسي الآن، لأن التفسيرات الكلاسيكية لم تعد تفسر أي شيء… هذا عالم خطير للغاية، حيث لم يعد للقانون الدولي وجميع الترتيبات الدولية أي معنى”. وختم قائلا: “إننا نشهد اندماجا بين المذاهب الدينية القديمة وحساسيات ما بعد الحداثة، مما يخلق واقعا جديدا – وجود كمي للجغرافيا السياسية الحديثة – تتعايش فيه الأبعاد اللاهوتية والأسطورية والسياسية”. كنا في الماضي نستهين بهذه الأمور، لكن في ظل الواقع الذي يتبلور أمام أعيننا: هل من المعقول أن نتجاهل احتمال أننا في قلب حرب دينية قد تؤدي إلى نهاية العالم؟ أميت فيرشيتسكي هآرتس 13/03/2026