فلسطين – بين قسوة الحرب وروح التضامن

اخبار فلسطين26 فبراير 2026آخر تحديث :
فلسطين – بين قسوة الحرب وروح التضامن

اخبار فلسطين – وطن نيوز

فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-26 13:48:00

د. سمير أبو مدللة يأتي شهر رمضان هذا العام على قطاع غزة مثقلا بأعباء حرب مستمرة وواقع اقتصادي إنساني غير مسبوق، حيث تتقاطع البطالة مع الفقر، ويمتزج النزوح بانعدام مقومات الحياة الأساسية، في مشهد يعيد تعريف معنى الصيام والصبر معا. الشهر الذي كان موسم اجتماع العائلات وامتلاء الموائد، يأتي اليوم في ظل خيام النزوح والبيوت المهدمة والقلق اليومي على الإفطار وماء السحور. وأدت الحرب إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية وشل الأسواق ومصادر الدخل، مما رفع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية وحرمان آلاف الأسر من قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية. وأصبحت ميزانيات الأسر شبه معدومة، وتعتمد على مساعدات محدودة أو مدخرات استنزفت طوال مدة الأزمة. وفي هذا السياق لم يعد السؤال: ماذا سنعد للإفطار؟ بل: هل سنجد ما يسد عطش الأطفال مع أذان المغرب؟ وتشير التقديرات الدولية وتقارير المؤسسات الإغاثية إلى أن الوضع المعيشي وصل إلى مستويات غير مسبوقة. وتجاوزت معدلات البطالة ثلثي القوة العاملة، وارتفعت معدلات الفقر إلى مستويات قياسية، مع اعتماد غالبية السكان على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للبقاء على قيد الحياة. كما تراجعت القوة الشرائية للأسر بشكل حاد نتيجة انهيار الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية، في حين تقلص النشاط الاقتصادي إلى الحد الأدنى مع توقف الإنتاج وتعطل سلاسل التوريد. ولا تعكس هذه المؤشرات أرقاماً مجردة، بل تصف واقعاً يومياً قاسياً يعيشه الصائمون وهم يوازنون بين الاحتياجات الأساسية وندرة الموارد. في مخيمات النازحين، يتغير مظهر رمضان بالكامل؛ خيم باردة ومزدحمة وانعدام الخصوصية وإفطار جماعي مع توفر المساعدات أو التبرعات بشكل متقطع. ولا توجد كهرباء منتظمة لإنارة ليالي الصائمين، ولا توجد مياه كافية لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، ولا توجد طرق مجهزة لضمان تدفق مستقر للإمدادات. وهكذا تتحول أبسط تفاصيل الحياة الرمضانية إلى معادلة بقاء، يتقاطع فيها عجز الإنسان مع قسوة الواقع المعيش. اقتصادياً، يعكس شهر رمضان خلال الحرب ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الطوارئ القسري”، حيث تختفي آليات السوق الطبيعية، لتحل محلها موجات الاحتكار والارتفاع الحاد في الأسعار نتيجة شح السلع والقيود على دخولها، وارتفاع تكاليف النقل والتخزين. وفي المقابل، يتآكل دخل الأسرة إلى الصفر، مما يخلق فجوة معيشية حادة بين الاحتياجات الأساسية والقدرة على تلبيتها. ولم تعد المشكلة تقتصر على الغذاء فقط، بل امتدت لتشمل الأدوية والوقود ومستلزمات النظافة، وهي عناصر تتزايد أهميتها خلال شهر الصوم. وفي ظل هذا المشهد تبرز ظاهرة الاستغلال واحتكار السلع ورفع الأسعار كجريمة أخلاقية واقتصادية في الوقت نفسه. تجار الحرب الذين يضاعفون معاناة الناس من خلال المضاربة والاحتكار، لا يهاجمون السوق فحسب، بل يعتدون على كرامة الإنسان وحقه في العيش بكرامة خلال شهر من المفترض أن تسود فيه الرحمة والتضامن. إن استمرار هذا السلوك دون محاسبة قانونية حازمة يهدد السلام المجتمعي ويقوض ثقة المواطنين في المنظومة الاقتصادية والتنظيمية. وإذا لم تصلهم يد العدالة، فإن يد المجتمع ووعيه الجمعي ورفضه الشعبي ستبقى قادرة على محاصرة كل أشكال الاستغلال والابتزاز المعيشي. وتتفاقم المأساة مع تأخير أو منع بعض المساعدات الإنسانية في الأوقات الحرجة، مما يزيد الضغط على المجتمع المحلي ويقوض أحد أهم معاني رمضان: التضامن. وعندما تُحاصر الإغاثة، يصبح التضامن المجتمعي المحدود هو الملاذ الأخير، على الرغم من إمكاناته المحدودة في مواجهة الحاجة المتزايدة. وهنا يتحول الفقر من رقم إحصائي إلى تجربة يومية مؤلمة يعيشها الصائم وهو يحاول تأمين وجبة متواضعة لأسرته وسط غلاء متسارع واحتكار خانق. ومما يزيد من قسوة المشهد تزامن شهر رمضان مع فصل شتاء بارد، ما يفرض أعباء إضافية على الأسر النازحة التي تحتاج إلى الوقود والبطانيات والملابس، في وقت لا تستطيع فيه توفير الغذاء بنفسها. ومع ذلك، يحتفظ شهر رمضان في غزة ببعده الرمزي باعتباره مساحة للصمود الجماعي. ورغم كل شيء، تحاول العائلات التمسك بما تبقى من طقوس رمضان: صلاة جماعية، أو إفطار بسيط، أو وجبة مشتركة بين عائلتين نازحتين. هذه التفاصيل الصغيرة، حتى لو بدت هامشية اقتصاديا، إلا أنها تحمل قيمة اجتماعية وأخلاقية كبيرة، لأنها تعيد الروابط المجتمعية المكسورة. لا يمكن فصل قراءة رمضان في غزة اليوم عن سياق اقتصاد الحرب، حيث تعطل الإنتاج، وتراجعت التجارة، وازداد الاعتماد على المساعدات، مع تضاؤل ​​أي أفق فوري للتعافي. وفي الختام، يأتي شهر رمضان هذا العام مرآة مكثفة للأزمة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها القطاع. شهر يجتمع فيه الفقر والبطالة والنزوح وغلاء الأسعار وحرمان المساعدات تحت سقف حرب لا تتوقف. رغم ذلك، يبقى الصائم الغزاوي شاهدا على قدرة الإنسان على التشبث بالمعنى الإنساني لرمضان، حتى وهو يعيشه في أقسى ظروف الحرب: الصيام قليلا، والصبر على الكثير، والأمل بأن يأتي رمضان المقبل وقد استعادت الحياة مقوماتها، وعادت الموائد إلى دفئها، وتمتع الإنسان بكرامته الاقتصادية والإنسانية. ويبقى النداء الأخير موجهاً إلى المجتمع نفسه: لا يمكن مواجهة قسوة الحرب إلا من خلال تكاتف الناس مع بعضهم البعض، والوقوف إلى جانب الفقراء والنازحين ومن فقدوا مصادر رزقهم. مبادرات توزيع الغذاء ودعم الأسر الأكثر احتياجا وتعزيز روح التضامن المجتمعي تمثل صمام الأمان الإنساني في أوقات الأزمات. في رمضان تتجدد القيم التي تحمي المجتمع من التفكك، وتؤكد أن الرحمة والرحمة أقوى من الجوع والحصار، وأن يد الخير عندما تمتد بين الناس قادرة على إعادة ما دمرته الحرب.

اخبار فلسطين لان

بين قسوة الحرب وروح التضامن

اخبار فلسطين عاجل

اخر اخبار فلسطين

اخبار فلسطين لحظة بلحظة

#بين #قسوة #الحرب #وروح #التضامن

المصدر – المركز الفلسطيني للإعلام