اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-02 03:46:00
في الأزقة المدمرة شرق مخيم المغازي، لا تبدو المنازل الفارغة مجرد منازل تركها أصحابها تحت القصف، بل أماكن تحمل قصصا ثقيلة من الخوف والقتل والتحقيقات السرية. وهنا، حيث فر السكان بحثاً عن الخلاص، ظهرت الجماعات المسلحة المحلية لدعم الاحتلال الإسرائيلي، وفتحت فصلاً جديداً من الإرهاب داخل الأحياء المنكوبة. وسألت “القدس العربي” سكان غزة الذين تحدثوا بالتفصيل عما حدث. بدأت القصة في 7 أبريل/نيسان، عندما دخلت مليشيات شوقي أبو نصيرة شرق المخيم في محاولة للتمركز داخل المناطق السكنية. السكان الذين خرجوا لمنع المسلحين من دخول منازل المدنيين وجدوا أنفسهم أمام مواجهة دامية انتهت بمقتل 12 شخصاً خلال ساعات قليلة، فيما تحولت شوارع المخيم إلى ساحة للخوف والفوضى. ورغم انسحاب هذه المجموعات بعد الحادثة، إلا أن السكان يقولون إن شعوراً ثقيلاً يطاردهم منذ ذلك اليوم. ولم يكن الخوف من عودة الاجتياح فحسب، بل من أن تتحول المنازل المهجورة إلى مقرات تستخدم بعيدا عن أعين الناس، وتحقق ذلك فعلا فجر يوم موقف عرفة، الموافق السادس والعشرين من مايو/أيار، عندما عادت نفس المجموعات سرا إلى المنطقة مستفيدة من هدوء الفجر. وبحسب شهادات متقاطعة، تحصن المسلحون داخل منزل المواطن إياد عبد الجواد، الذي كان خالياً من السكان، قبل أن يتحول المنزل خلال ساعات إلى ما يشبه مقراً مغلقاً للتحقيق والتوقيف والإعدام. وتحدث سكان الحي عن أصوات إطلاق نار وصراخ وتحركات مسلحة داخل المنزل، فيما فرض الخوف حالة من الصمت على المنطقة، ومنع الكثيرين من الاقتراب أو حتى السؤال عما يجري. إعدام شنيع. وفي السابعة صباحاً، كانت الأزقة الواقعة شرق مخيم المغازي شبه خالية إلا من أصوات متقطعة لحركة مسلحة انتشرت. وفي تلك اللحظات، استخدمت مجموعات من المليشيات سلماً حديدياً للصعود إلى منزل المسن عبد الرحمن الشنطي، بعد فرض طوق أمني على المنطقة ومنع السكان من التحرك أو التدخل. وبحسب إفادات أهالي المنطقة وشهود عيان من المنطقة، فقد تمت مداهمة المنزل بشكل مفاجئ، واضطر عبد الرحمن إلى إجراء اتصال هاتفي مع ضابط المخابرات. وأضاف أن “المسلحين تحصنوا داخل منزل المواطن إياد عبد الجواد الفارغ، قبل أن يتحول المنزل خلال ساعات إلى ما يشبه مقراً مغلقاً للتحقيق والتوقيف والإعدام”. وتم خلال الاتصال طرح أسئلة عليه تتعلق باسمه الكامل ورقم هويته وتفاصيل أعماله السابقة، قبل التأكد من بياناته الشخصية. وبعد انتهاء المكالمة طلب منه البقاء داخل منزله وعدم الخروج، مع إلزامه بإغلاق هاتفه وعدم استخدامه حتى الساعة الحادية عشرة صباحا، قبل أن تغادر المجموعة المكان وتتركه تحت المراقبة. وفي المنزل المجاور في نفس الشارع، قامت مجموعة أخرى بمداهمة عنيفة لمنزل عائلة عبدالله البشيتي. وبحسب إفادات سكان المنطقة، فإن المسلحين سارعوا بتفتيش المنزل قبل أن يقتادوا أبناء العائلة الثلاثة بالقوة إلى جهة مجهولة. وخلال المداهمة، وجه أفراد المجموعة تهديدات مباشرة للعائلة، قائلين لوالد الشاب صالح البشيتي، بلهجة حادة، إن هذه ستكون المرة الأخيرة التي يرى فيها ابنه. وفي الساعات التي تلت المداهمة، أفاد السكان الذين كانوا داخل منازلهم أنهم سمعوا استغاثات وأصوات قادمة من المنطقة التي تتمركز فيها المجموعات المسلحة. واستمرت هذه الأصوات لفترة من الوقت، وسط حالة من الذعر والخوف من الاقتراب أو محاولة معرفة ما يجري، في ظل انتشار المسلحين داخل المنطقة الشرقية. وبعد نحو ثلاث ساعات، انسحبت المجموعات المسلحة بشكل مفاجئ من المنطقة، مما دفع الأهالي للخروج بحذر شديد لتفقد ما حدث والبحث عن الخاطفين. وخلال عملية البحث عثر على الشاب صالح البشيتي مقتولاً داخل أحد المنازل. لقد تم شنقه بقطعة من القماش. وظهرت عليه علامات الإصابة بالرصاص الجسدي وعلامات تدل على تعرضه لعنف شديد قبل وفاته، بحسب ما أفاد سكان محليون. وتشير شهادات الأهالي إلى أن جثة الشاب كانت مطروحة داخل المكان بعد انسحاب القوة المهاجمة، فيما بقي مصير شقيقيه الآخرين مجهولاً حتى لحظة إعداد هذا المقال. ويؤكد شهود: “بعد أن عذبوا صالح وأكدوا وفاته، اتصلوا بوالده وقالوا: تعال وخذ ابنك، وكما قلنا لك من قبل، هذه آخر مرة ستراه فيها”. وتثير هذه الحادثة حالة من القلق المتزايد لدى السكان بشأن ما يحدث داخل المنازل المهجورة شرق المغازي، والتي يقول السكان إنها تحولت في بعض الأحيان إلى أماكن مغلقة يتم فيها احتجاز الأشخاص والتحقيق معهم، بعيدا عن أي رقابة أو إجراءات قانونية واضحة. ولا تزال هذه الحقائق تراقب من قبل سكان المنطقة، في ظل ظروف أمنية معقدة تجعل الوصول إلى معلومات دقيقة أو توثيق كامل لما حدث أمرا في غاية الصعوبة. وفي الفترة ذاتها التي شهدت اقتحام عدد من المنازل شرق المخيم، دخلت مجموعة أخرى من الميليشيات إلى منزل عائلة أبو شحادة. وبحسب شهادات سكان المنطقة، فإن أحد أفراد الأسرة حاول الاعتراض على دخول المسلحين إلى المنزل، موضحاً أن هناك نساء وأطفالاً بداخله، وأنه يجب احترام حرمة المنازل. إلا أن حديثه قوبل برد قاس من أحد العناصر المسلحة، الذي أشهر سلاحه في وجهه وهدده بشكل مباشر، قائلا إن رصاصة واحدة لا تزال كافية لإنهاء حياته إذا استمر في الاعتراض أو طرح الأسئلة. وسادت أجواء من التوتر والخوف داخل المنزل، فيما كان أفراد الأسرة يتابعون ما يحدث دون أن يتمكنوا من التدخل. ولم يتوقف الأمر عند التهديد، إذ أخرج أحد المسلحين سيجارة وأجبر الرجل على تدخينها، ثم أجبره على الإفطار رغم أنه صائم يوم عرفة. وبحسب شهادات سكان المنطقة، شكل هذا المشهد حالة من الإهانة المتعمدة وإظهار السيطرة على أفراد الأسرة الذين وجدوا أنفسهم محاصرين داخل منزلهم وتحت رحمة السلاح. على الجانب الآخر من الشارع، عاشت عائلة المغاري ساعات مختلفة، لكنها لم تكن أقل قسوة. وداخل المنزل، تجمع عدد من أفراد الأسرة في محاولة للبقاء معاً وسط حالة التوتر التي عمت الحي مع انتشار المسلحين. وكان أفراد الأسرة يراقبون بفارغ الصبر ما يحدث في الخارج، بينما كان الأطفال والنساء يحاولون الاحتماء داخل المنزل، على أمل قضاء تلك الساعات بسلام. لكن الهدوء الحذر الذي ساد المنزل لم يدم طويلا. وفي لحظة مفاجئة استهدفت طائرة استطلاع المنزل بصاروخ مباشر، ما أدى إلى تدمير أجزاء منه وسقوط عدد من الضحايا. وأدى القصف إلى مقتل عدد من أفراد العائلة بينهم يوسف وابن عمه فادي المغاري، بالإضافة إلى جرح آخرين كانوا داخل المنزل وقت الهجوم. وكان استشهاد يوسف من الأحداث التي تركت أثرا مؤلما على ذويه وسكان المنطقة. وقبل بضعة أسابيع فقط، وتحديداً في 7 مايو، شارك يوسف في حفل زفاف شقيقه الأكبر، والذي أقيم وسط ظروف الحرب والنزوح. ورغم قسوة الواقع حينها، حاولت العائلة التمسك بلحظة فرح نادرة. وفي لفتة حملت الكثير من الأمل، وضع شقيقه صورة يوسف على بطاقة الزفاف وكتب بجانبها عبارة “العريس القادم”، في إشارة إلى أن دوره في الفرح سيأتي قريبا. لكن الحرب كانت أسرع من الأحلام. الشاب الذي ظهر على بطاقة الدعوة باعتباره الشخص الذي سيجلب الفرح، لم يمض على تلك المناسبة أكثر من عشرين يوما حتى استشهد في القصف، وتحولت الصورة التي حملت وعدا بمستقبل ينتظره، إلى ذكرى أليمة شاركها أقاربه وأصدقاؤه بعد رحيله. بين منزل اقتحمته المليشيات وهددت بالقوة، ومنزل آخر استهدف بصاروخ أودى بحياة من بداخله، عاش سكان شرق المغازي ساعات وصفها الكثيرون بأنها من أكثر الساعات قسوة ورعبا، حيث تجمعت مشاهد الخوف والتهديد والفقدان في مكان واحد وخلال وقت قصير، تاركة وراءها قصصا لا تزال حاضرة في ذاكرة من عاشها وشهد تفاصيلها.




