اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-30 09:21:00
في اللحظة التي انتهيت فيها من مشاهدة الست، لم أشعر برغبة في التصفيق، ولا حتى الغضب التام. لقد شعرت بانزعاج شديد، يشبه الفراغ الذي يتركه عمل حاول الاقتراب من الأسطورة، لكنه اكتفى بلمس ظلها. أطفأت الشاشة وبدأت أكتب، وصوت أم كلثوم يتسلل إلى الخلفية وهي تغني: «أنت حياتي». عندها فقط أدركت المأزق الحقيقي للفيلم؛ لم تكن ورطته في الإخراج، ولا في الأداء، ولا حتى في البنية الدرامية المشوشة، بل في عدم قدرته على فهم فلسفة الحب التي خلقت أم كلثوم نفسها. لم تكن أم كلثوم مجرد صوت عظيم، ولا مجرد مغنية تمتلك حضورا استثنائيا، بل كانت ظاهرة وجودية كاملة. كان مشروعاً عربياً للحب الجماعي والحزن الجماعي والوحدة العاطفية، جمع ملايين البشر حول راديو صغير في أمسية واحدة. هي المرأة التي جعلت العاشق يرى نفسه داخل الأغنية، والمكسور يجد عزاءه، والمنفى يشعر أن اللغة لا تزال موطنه المؤقت. ولذلك فإن أي فيلم عنها لا يكفي لإعادة ترتيب مراحل حياتها، بل يجب أن يجيب على سؤال أعمق: كيف استطاعت امرأة واحدة أن تتحول إلى الذاكرة العاطفية لأمة بأكملها؟ وكان الست منشغلاً بإعادة إنتاج الصورة، لكنه لم يقترب من الروح. رأينا الزخارف والفساتين والإضاءة وحركة الكاميرا وصوت التصفيق في الحفلات، لكننا لم نرى العزلة الهائلة التي كانت تعيشها أم كلثوم حيث أدركت أن صوتها أصبح أكبر من حياتها الشخصية نفسها. ولم نرى ثمن العظمة، ولا الخوف الداخلي الذي يجعل الفنان أسير صورته أمام الناس. قدم الفيلم أيقونة تتحرك ضمن إطارات جميلة، لكنه لم يقدم لنا الشخص الذي كان يرتعد خلف هذه الهالة. كنت أستمع إلى صوتها وأنا أكتب، وظننت أن الحب لأم كلثوم لم يكن عاطفة رومانسية بالمعنى الساذج، بل كان فلسفة كاملة للاحتمال. كان الحب إذن انتظاراً طويلاً، وعذاباً نبيلاً، واستسلاماً لقوة الشعور حتى النهاية. في عالمها لا يوجد حب سريع، ولا علاقات خفيفة، بل افتراس روحي كامل للإنسان. ولهذا السبب تظل أغانيها حية. لأنها لم تخاطب الإنسان الزائل فينا، بل الكائن العميق الذي يخشى الفقدان ويبحث عن الخلود في الآخرين. تعاملت مع الحب باعتباره تفصيلاً في حياتها، بينما كان الحب جوهر مشروعها الفني بأكمله. لم تكن أم كلثوم تغني الكلمات فحسب، بل كانت تعيد تشكيل الزمن داخل الأغنية. كانت تجعل الدقيقة الواحدة مساحة للتأمل، وتجعل من التكرار وحيًا نفسيًا، وليس مللًا. ولذلك فإن الاستماع إليه يحتاج إلى صبر يشبه التصوف، فيما يبدو الفيلم ابن عصر السرعة والإثارة البصرية. مونتاج سريع، لقطات قصيرة، دخول متتابع للنجوم، وكأن العمل يخاف من الصمت، بينما قوة أم كلثوم الحقيقية تكمن تحديداً في قدرتها على جعل الصمت جزءاً من الموسيقى. وحتى اختيار منى زكي، رغم اجتهادها الواضح، كشف عن سوء فهم آخر للشخصية. أم كلثوم لا تمتلك ملامح يمكن تقليدها، ولا طريقة كلام يمكن تقليدها، بل لها وزن روحي كامل. دخلت المسرح كما يدخل الملوك التاريخ، ليس لأن أحداً أعطاها السلطة، بل لأنها استولت عليها بالصوت والكاريزما والذكاء والقسوة أيضاً. لم تكن هذه المرأة هشة كما حاول الفيلم أحيانا تصويرها، ولم تكن مجرد ضحية للخوف من الشيخوخة أو المرض، بل كانت تدرك تماما قيمتها الأسطورية، وتدرك أن الجماهير لا تحب الفنان فحسب، بل تصنع منه إلها صغيرا ثم تعاقبه إذا سقط من قامته. ولهذا كانت أم كلثوم بحاجة إلى فيلم أكثر قسوة وعمقاً وجرأة. فيلم لا يخشى الاقتراب من تناقضاتها، ولا يكتفي بتلميع صورتها أو استعراض اللحظات الشهيرة في حياتها. كانت بحاجة إلى عمل يتساءل: ماذا يحدث للإنسان عندما يتحول إلى أسطورة وهو لا يزال على قيد الحياة؟ كيف جعل Love Live الملايين يقعون في حب صوته؟ فهل كانت أم كلثوم سعيدة حقا، أم أنها دفعت ثمن ذلك المجد الهائل طوال حياتها؟ غابت هذه الأسئلة، إذ ضاع الفيلم بين الانبهار البصري والعرض العاطفي السريع. ولعل المشكلة الأعمق هي أن السينما الحديثة لم يعد لديها الصبر الكافي لفهم شخصيات بحجم أم كلثوم. نحن نعيش في زمن الصور السريعة، وهي ابنة زمن الاستماع الطويل. لذلك، بدا الفيلم، رغم جماله الفني، غريباً عن روحها. إنه مثل محاولة تكثيف قصيدة طويلة في إعلان فاخر. وعندما انتهيت من الكتابة كانت أم كلثوم لا تزال تغني في الخلفية. أدركت بعد ذلك أن سرها الحقيقي لا يمكن التقاطه بسهولة، لأن بعض الشخصيات لا يمكن إخبارها من خلال السرد وحده، بل تحتاج إلى فن يتمتع بشجاعة التأمل. أم كلثوم، بكل هذا الحب الذي زرعته في ضمير العرب، ما زالت تنتظر فيلماً يفهم أن العظمة ليست في الشهرة، بل في القدرة على البقاء حية في قلوب الناس بعد نصف قرن من الغياب.




