اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-17 23:11:00
لم تكن حركة فتح في يوم من الأيام مجرد إطار تنظيمي أو مجموعة مناصب ومناصب قيادية. بل شكلت منذ نشأتها دولة وطنية نضالية متكاملة حملت مشروع الشعب الفلسطيني وآماله في الحرية والاستقلال، وقدمت على مدى عقود طويلة قوافل الشهداء والأسرى والجرحى دفاعاً عن الهوية الوطنية الفلسطينية. لذلك لا يمكن اختزال الحديث عن فتح في تفاصيل مؤتمر أو نتائج انتخابات داخلية، لأن الحركة أكبر من الناس، وأعمق من الحسابات الضيقة، وأثبت من كل محاولات التشكيك والاستهداف. ومع انعقاد المؤتمر الأخير للحركة، برزت العديد من المناقشات والآراء والمواقف، وهو أمر طبيعي داخل أي حركة جماهيرية عريقة بحجم فتح، خاصة أنها الحركة الأكثر حضورا وتأثيرا على الساحة الفلسطينية. إن الحركات الكبرى تبقى دائما تحت المجهر، وتتعرض للنقد والمتابعة والاستهداف أكثر من غيرها، ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها تمثل العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، ولأن أي اهتزاز فيها ينعكس على الوضع الوطني الفلسطيني العام. لكن قوة فتح الحقيقية لا تقاس بعدد الحاضرين داخل قاعات المؤتمرات، ولا بعدد الأسماء الفائزة أو غير الفائزة، بل بحجم الالتفاف الوطني والتنظيمي حولها، وبقدرة شعبها على حماية وحدتها الداخلية والحفاظ على شرعيتها التاريخية والنضالية. فالحركة التي استطاعت تجاوز مراحل أصعب وأخطر من حصار واغتيالات وانقسامات وحروب، هي اليوم قادرة أيضاً على تجاوز أي خلافات داخلية إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة والوعي التنظيمي المسؤول. المسؤولية الكبرى في هذه المرحلة تقع على كادر فتح الواعي، الذي يدرك أن قوة الحركة هي قوة وحدتها، وأن حماية فتح ليست مسؤولية القيادة وحدها، بل مسؤولية كل من آمن بالمشروع الوطني، وتمسك بمبادئه، ودافع عنه في أصعب الظروف. والكادر الحقيقي لن يكون أداة لتعميق الانقسام الداخلي أو تأجيج حملات التشكيك، بل سيكون جدارا منيعا في وجه محاولات التشويش والاستهداف، وصوتا عقلانيا يتقدم المصلحة الوطنية والتنظيمية على أي اعتبارات شخصية أو فئوية. إلا أن النجاح الحقيقي للمؤتمر يجب ألا يتوقف عند حدود الترتيبات التنظيمية أو إعادة توزيع المسؤوليات، بل يجب أن ينعكس في صياغة رؤية وطنية واضحة وبرنامج نضالي قادر على مواجهة التحديات الخطيرة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني اليوم. والمواطن الفلسطيني لا ينتظر خطابات الوحدة فحسب، بل ينتظر أفعالا حقيقية تعيد للحركة دورها الريادي في الدفاع عن الأرض والشعب والقضية. وفي مقدمة هذه التحديات يأتي التصعيد الاستيطاني غير المسبوق الذي تتعرض له الضفة الغربية، حيث يواصل المستوطنون اعتداءاتهم اليومية على القرى الفلسطينية، من حرق الممتلكات وسرقة الأراضي والمواشي، والاعتداء على المزارعين، وتعريض حياة المواطنين للخطر، في محاولة لفرض واقع على الأرض بالقوة، ودفع الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم. ولم تعد هذه الجرائم أحداثا معزولة، بل أصبحت سياسة ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني برمته، الأمر الذي يتطلب من حركة فتح، باعتبارها أكبر حركة تحرر وطني، وضع استراتيجية وطنية وقتالية شاملة لتعزيز صمود الشعب وحماية وجوده وحقوقه الوطنية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل ما يحدث في الضفة الغربية عن المأساة الكبيرة التي يعيشها قطاع غزة، في ظل الحرب والدمار والحصار والاستهداف المستمر للمدنيين والبنية التحتية، وما رافقها من معاناة إنسانية كارثية يعيشها شعبنا. والمطلوب اليوم هو موقف وطني موحد يعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية، ويؤكد أن وحدة الدم الفلسطيني والمعاناة الفلسطينية يجب أن تكون أساس أي برنامج سياسي أو نضالي في المرحلة المقبلة. كما تتطلب المرحلة الحالية إعادة تفعيل أدوات النضال السياسي والدبلوماسي والإعلامي، بما يعزز حضور القضية الفلسطينية على الساحة الدولية، ويكشف حقيقة الاحتلال وجرائمه أمام العالم. والمعركة اليوم لم تعد على الأرض فحسب، بل أصبحت أيضا معركة رواية ووعي وموقف سياسي، في ظل محاولات الاحتلال طمس الحقيقة وتشويه النضال المشروع للشعب الفلسطيني. ومن هنا فإن حركة فتح مطالبة بعد مؤتمرها بإطلاق رؤية وطنية متكاملة تجمع بين تعزيز صمود الشعب على الأرض، وتوسيع الحراك السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، والعمل على محاصرة الاحتلال قانونيا وسياسيا، إضافة إلى بناء خطاب إعلامي وطني قادر على إيصال صوت الشعب الفلسطيني ومعاناته إلى العالم، والتصدي لحملات التضليل التي تستهدف الرواية الفلسطينية. إن الشعب الفلسطيني الذي قدم تضحيات كبيرة على مدى عقود من الزمن، لا يطالب إلا بحقه الطبيعي في الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. هذه الحقوق لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن لأي قوة أن تلغيها، مهما طال أمد الاحتلال أو اشتدت الضغوط عليه. ولذلك فإن أي برنامج وطني حقيقي لا بد أن يلتزم بهذه الثوابت، ويوحد كل الطاقات الفلسطينية من أجل تحقيقها. لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن فتح لم تستمد قوتها قط من المناصب أو الامتيازات، بل من قدرتها على التجديد والاستمرار والتضحية. ومن رحم المعاناة ولدت، وتجذرت في الميدان، وبدماء الشهداء احتلت مكانها في ضمير الشعب الفلسطيني. ولذلك فإن الأصوات العابرة أو الحملات المنظمة، مهما علت، لن تتمكن من تقويض حركة لها هذا التاريخ الطويل من النضال والعطاء. ومن ناحية أخرى، يظل النقد المسؤول والبناء ضرورة صحية داخل أي حركة وطنية، لكن الفرق كبير بين النقد الذي يهدف إلى الإصلاح والتطوير، وبين النقد الذي يتحول إلى حالة من جلد الذات أو محاولة إضعاف البيت الداخلي في وقت تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى أكبر قدر ممكن من الوحدة والتماسك. الفتحاوي الحقيقي لا ينشغل بهدم بيته الداخلي أمام الجميع، بل يعمل على تحصينه وتعزيز موقفه الوطني والتنظيمي. ولا يقاس نجاح المؤتمر بانعقاده أو مخرجاته التنظيمية فقط، بل بمدى قدرة الحركة بعده على تعزيز وحدتها الداخلية، وتجديد حضورها الشعبي، واستعادة روح المبادرة الوطنية، ومواصلة دورها التاريخي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني. يواجه الشعب الفلسطيني اليوم تحديات مصيرية غير مسبوقة، مما يجعل من وحدة فتح وقوتها حاجة وطنية وليس مجرد مسألة تنظيمية داخلية. اليوم، المطلوب من كل فتح حر أن يرتقي إلى مستوى المسرح، ليكون سندا للحركة وليس عبئا عليها، وأن يدرك أن نجاح فتح ليس انتصارا لفصيل أو تيار أو شخص، بل هو قوة للقضية الفلسطينية برمتها، لأن فتح كانت وما زالت الركيزة الأساسية للمشروع الوطني الفلسطيني. عاشت فلسطين حرة عربية، وعاشت فتح قوية موحدة. غير قابلة للكسر، وعاشت إرادة المقاتلين الأوفياء حتى الحرية والكرامة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. ناشط وكاتب عربي فلسطيني – عضو الأمانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام / شيكاغو



