اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-21 00:00:00
أصبح جدول أشهر الصيف في فرنسا وأوروبا بشكل عام وحتى أشهر الربيع معروفًا مسبقًا. ومنذ عام 1947، شهدت فرنسا وحدها 49 موجة حر، منها 32 حدثت بعد عام 2000، أي أن أكثر من ثلثيها تراكمت على مدى ربع قرن. وهذا ليس استثناءً فرنسياً، بل المشهد الأوروبي بامتياز، القارة التي تفاجأ كل صيف بما كان ينبغي لها أن تتوقعه منذ زمن طويل. للمرة الثانية في أقل من شهر، تعاني فرنسا من وطأة الحرارة الشديدة. وسبقتها قبة حارة في شهر مايو بأرقام قياسية لم تسجل من قبل في مثل هذا الوقت من العام، ثم جاءت موجة حارة تجتاح البلاد بأكملها. والأسعار مرتفعة، إذ تقتل الحرارة الفئات الأكثر ضعفا، وتعطل النظم البيئية، وتثقل كاهل المستشفيات. وكان رد الفعل الرسمي هو إغلاق المدارس، وتأجيل امتحانات البكالوريا الشفهية، وإلغاء الاحتفالات. باختصار، تقوم البلاد بتطبيق مكابح الطوارئ. لكن ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا هو أن الثقافة الفرنسية نفسها تبدو معارضة لأبسط الحلول الفردية المتاحة: التكيف. وعلى عكس ما هو سائد في الولايات المتحدة أو دول الخليج، فإن تركيب مكيف الهواء في المنازل الفرنسية لا يزال غير شائع، بل إنه محاط بالعوائق القانونية والإدارية. من يريد تركيب مكيف هواء في شقته عليه الحصول على موافقة جمعية الملاك، أي نقابة الملكية. ولا تأتي هذه الموافقة تلقائيا، إذ كثيرا ما ترفضها الجمعيات بحجج تتعلق بالمظهر الخارجي للمبنى أو قواعد التوحيد المعماري. وهكذا يجد المواطن نفسه أسيراً للبيروقراطية التي تمنعه من الحصول على حق تجديد الهواء في منزله وسط موجة الحر القاتلة. والأمر لا يقتصر على المنازل. لا تزال العديد من المطاعم في فرنسا وأوروبا تفتقر إلى أجهزة تكييف الهواء، ويتذرع أصحابها بأن موسم الصيف القصير لا يبرر الاستثمار في هذه الأنظمة الباهظة الثمن، وأن تكاليف التركيب والصيانة مرتفعة مقارنة بعدد الأشهر الحارة في العام. وهذا المنطق كان مقبولاً ربما قبل عقدين من الزمن، لكنه أصبح اليوم عاجزاً في مواجهة الواقع المناخي المتغير. وأمام هذا العجز المزدوج ثقافيا وإداريا، تكافح المناطق الحضرية بحثا عن حلول بديلة. تعتبر مواد البناء الجديدة والدهانات المبتكرة والأسطح الحديثة كلها أدوات لاستعادة درجات قليلة من البرودة. والأمر الأكثر إثارة هو أن بعض البلديات وجدت ما أرادت في الماضي، حيث بدأت تستلهم العمارة التقليدية في الدول العربية. حيث تشق «المشربية» طريقها إلى الواجهات الأوروبية، ذلك الحاجز المجوف المصنوع من الألواح الخشبية أو المعدنية، الذي كان يزين نوافذ البيوت العربية القديمة. وفي بربينيان، استلهم المتخصصون تقنيات من يزد الإيرانية، وهي مدينة قديمة نشأت بين صحاريتين. يقول جان إيف جاتو، المساعد المسؤول عن التجديد الحضري: “لقد قمنا باستنساخ جهاز يعرف باسم الملقف الفارسي، الذي يعزز التهوية الطبيعية من خلال مدخنة مثبتة في قلب المساكن”. والمفارقة الصارخة هنا هي أن أوروبا تستعير حلولها من الحضارات التي عاشت مع الحرارة وأتقنت قربها لقرون من الزمن، في حين ترفض الحل التقني الحديث بضغطة زر. ومن بين كل هذه المبادرات، تظل الطريقة الأقل تكلفة هي توفير الظل في الشوارع، وهو ما يمثل “أولوية قصوى”، وفقًا للوينا تروفيه من مركز سيريما. ولهذا تلجأ البلديات إلى نشر مظلات كبيرة على الشوارع والساحات، مع الحرص على تخضير مساحاتها كلما سنحت الفرصة. يقول يان فيرلينغ، نائب رئيس منطقة إيل دو فرانس، إن “الأشجار في المدينة هي الحل”، وهي أكثر اقتصادا من مشاريع مثل جلب الممرات المائية السطحية المدفونة منذ القرن التاسع عشر، حيث تم بناء المباني السكنية فوقها، مما يجعل استخراجها مكلفا للغاية. أوروبا تجد نفسها على مفترق طرق. ولم يعد الاستمرار في التعامل مع موجات الحر كأحداث طارئة استثنائية أمرا ممكنا. إن التكيف مع هذا الواقع لا يعني التخلي عن معركة المناخ، بل هو نتيجة منطقية حتمية لها. لكن عندما لا يتمكن المواطن من تركيب مكيف في شقته دون الحصول على إذن وقد لا يأتي، وعندما يجلس في مطعم يتصبب عرقا لأن صاحبه ظن أن الصيف قصير، فمن حق المرء أن يتساءل: هل المشكلة في المناخ وحده، أم في ثقافة لم تقرر بعد أن تأخذ الحرارة على محمل الجد؟



