اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-26 00:00:00
ما حدث يوم الخميس الماضي في المسجد الأقصى لم يكن مجرد استفزاز عابر أو اقتحام منتظم للمستوطنين. واقتحم أكثر من 4000 مستوطن باحات المسجد الأقصى المبارك تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها وزير الأمن القومي الإسرائيلي بن جفير. وكان من بينهم وزراء وأعضاء كنيست وحاخامات وقادة ما يسمى بـ “جماعات المعبد”. وأدوا طقوسًا تلمودية وأنشدوا أناشيد دينية، فيما أدلى بن جفير بتصريحه من داخل باحات المسجد الأقصى: “اليهود الآن يؤدون عبادتهم في جبل الهيكل بحرية أكبر من أي وقت مضى”. وهذا تصريح كشف بوضوح عن الاستراتيجية التي تتبعها إسرائيل خطوة تلو الأخرى منذ سنوات. ولذلك فإن قراءة هذا الحدث على أنه مجرد اعتداء جديد أو خطوة إضافية في مسلسل انتهاك حرمة المسجد الأقصى تبقى قراءة ناقصة. إن ما يحدث اليوم في فلسطين ليس ثلاث أزمات منفصلة، بل هو استراتيجية واحدة يتم تنفيذها على ثلاث جبهات: في غزة يتم القضاء على الناس، وفي الضفة الغربية يتم إفراغ الأرض من أهلها، وفي القدس يعاد تشكيل التاريخ والهوية. والحقيقة أن ما يحدث في غزة ليس حرباً بالمعنى التقليدي، وكذلك ما يحدث في الضفة الغربية ليس مجرد حوادث أمنية معزولة. بل إن الاحتلال الإسرائيلي الذي يمارس الإبادة الجماعية، كان دائما يريد لها أن تظهر بهذه الصورة، بل ونجح منذ سنوات في ترسيخ هذه الصورة حتى لدى العديد من المؤسسات الدولية. لكن هذه الرواية لم تعد قابلة للتسويق اليوم؛ أظهرت التقارير الأخيرة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس سوى جوانب متعددة لاستراتيجية واحدة. وتؤكد الأمم المتحدة في آخر تقييماتها أن ملايين الفلسطينيين في غزة يضطرون إلى الفرار مرارا وتكرارا. أوامر الإخلاء المتكررة، والأحياء التي سويت بالأرض، والمستشفيات التي خرجت عن الخدمة، وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وانتشار الجوع وتهديد الأوبئة، كلها أسلوب من أساليب الحياة الطبيعية. مستحيل. وتشير التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة إلى أن الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة وصل إلى مستويات حرجة، وأن النظام الصحي انهار إلى حد كبير، في حين أن الظروف المعيشية للمدنيين تتدهور يوما بعد يوم. أما في الضفة الغربية، فتجري عملية ليست أقل تدميرا، وإن كانت أكثر هدوءا، وكونها تبدو أكثر هدوءا لا يعود إلى ضعف الانتهاكات، بل إلى ضعف قدرة العالم على الإصغاء إليها، وإلا فقد وصل صداها إلى الآفاق. إن تصاعد الحواجز والعمليات العسكرية، وهدم المنازل، والاستيلاء على الأراضي الزراعية، واعتداءات المستوطنين، والقيود المتزايدة على حرية التنقل، كلها تجعل حياة الفلسطينيين على أرضهم مستحيلة، ولم يعد ما يسميه القانون الدولي “التهجير القسري” يقتصر على اقتحام المنازل بالسلاح، بل يشمل أيضا خلق ظروف معيشية لا تطاق تدفع السكان إلى ترك أراضيهم. وهذا بالضبط ما حذرت منه تقارير الأمم المتحدة. ولم يعد اقتحام الخميس الماضي مجرد استفزاز منعزل، بل أصبح تعبيرا عن حالة من الغطرسة الإسرائيلية المتطرفة التي لم تعد تشعر حتى بالحاجة إلى اختلاق الذرائع لتبرير جرائمها. وبحسب تقدير محافظة القدس، تسعى الحكومة الإسرائيلية اليوم إلى فرض واقع سياسي وقانوني جديد داخل المسجد الأقصى. وسُمح للمستوطنين بأداء الشعائر التلمودية والصلاة والترديد بصوت عالٍ، في حين مُنع المسلمون إلى حد كبير من دخول المسجد. وبالفعل، ولأول مرة، أقيمت مظلة دائمة على الجانب الشرقي من ساحاتها لخدمة المستوطنين. كما أعلنت جماعات المعبد صراحة أنها تهدف إلى زيادة عدد المشاركين في هذه الاقتحامات إلى خمسة آلاف مستوطن وأكثر خلال السنوات المقبلة. كل هذا يشير إلى أن إسرائيل لم تعد تشعر حتى بالحاجة إلى الاختباء خلف الخطاب الأمني؛ وهي تعمل بشكل مباشر على تغيير هوية القدس الدينية والتاريخية، والهدف ليس مجرد زيارة المسجد الأقصى، بل إنهاء الوضع التاريخي والقانوني القائم منذ قرون، وفرض التقسيم الزماني والمكاني، بما يؤدي إلى إنشاء نظام جديد تكون فيه سيادة إسرائيل الكاملة بلا منازع. وهكذا تصبح غزة والضفة الغربية والقدس أجزاءً من صورة واحدة. في غزة يُقتل الناس بالقنابل، وفي الضفة الغربية يُجبر الناس على الرحيل بعد تدمير ضروريات الحياة، وفي القدس تُستهدف الذاكرة والتاريخ والمقدسات. في مكان تتغير التركيبة الديمغرافية، وفي مكان آخر تتم مصادرة الجغرافيا، وفي الثالث تتم إعادة كتابة التاريخ. وهذه في الحقيقة استراتيجية شاملة لتصفية شعب بكل مقومات وجوده. ولا تتحقق الإبادة الجماعية بقتل الناس فحسب، بل أيضا بانتزاعهم من أراضيهم، وتدمير تراثهم الديني والثقافي، وحرمانهم من مستقبلهم. ومن المؤسف أن موقف المجتمع الدولي بدوره يساهم في تعميق هذه المأساة. ورغم أن الأمم المتحدة بدأت أخيراً بإصدار التقارير، وأصدرت المحاكم الدولية أحكاماً، ووثقت المنظمات الحقوقية الانتهاكات، إلا أن كل ذلك لم ينجح حتى الآن في تغيير الواقع على الأرض. عندما لا يمكن تطبيق القانون، تحل القوة محل العدالة. ولذلك أصبحت فلسطين اليوم بمثابة اختبار لضمير النظام الدولي برمته. والحقيقة أن هذه الهجمات لا تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل تحدياً واضحاً للعالم الإسلامي برمته. المسجد الأقصى ليس ملكا للفلسطينيين وحدهم، بل هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأمانة في أيدي جميع المسلمين. أكاديمي وسياسي وكاتب تركي




