اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-06 14:00:00
صحيح أن البعد النفسي كان حاضرا دائما في أوامر الإخلاء الإسرائيلية، والمكسب الأساسي هو خلق حالة من الذعر والفوضى، وربما الرعب، بين الناس، لكن الصحيح أيضا أن أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي، الخميس، والتي شملت أحياء بأكملها في الضاحية الجنوبية لبيروت، لا تشبه غيرها. وأنتجت مشهداً «كارثياً» تحولت فيه الشوارع إلى مسارح نزوح جماعي تحت تهديد الدمار الشامل. ولا شك أن إسرائيل كانت تدرك ذلك تماماً، ولعل “إذلال” الأشخاص الذين يشكلون ما يسمى “البيئة الحاضنة للمقاومة” هو أحد أهدافها المعلنة أو الضمنية. لكن في رأي الكثيرين أن الأمر يتجاوز هذا البعد. وبدت التحذيرات المفاجئة وكأنها قرار بإخلاء مدينة بأكملها في لحظات، وهو ما يعكس رغبة إسرائيلية واضحة في تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية نحو نوع مختلف من إدارة الحرب، التي يشكل المدنيون جزءاً أساسياً منها. وهذا يعني أن الأمر لم يعد يتعلق فقط بالضغط النفسي على البيئة الحاضنة، ولا مجرد محاولة لترهيب الناس. بل هناك خطة تتجاوز فكرة «ورقة الضغط» لتصل إلى ما وصفه البعض في تل أبيب بأنه «نسخة لبنانية» من نموذج «خان». “يونس” في غزة، حيث يتم إفراغ جغرافيتها من سكانها تمهيداً لتوسيع هامش الدمار. وهنا تبرز المشكلة الكبرى التي تطرح نفسها اليوم: هل تسعى إسرائيل حقاً إلى إعادة تشكيل جغرافية الضاحية بالنار؟ من التهديد إلى السيطرة على الجغرافيا. لا شك أن البعد النفسي كان حاضراً بقوة في أوامر الإخلاء، فإسرائيل تعرف تماماً ما يعنيه نشر الذعر في منطقة تعتبر من أكثر المناطق كثافة سكانية وحساسة سياسياً واجتماعياً. لكن تقليص ما حدث إلى فئة «الحرب النفسية» وحده لا يزال غير كاف لتفسير حجم الفعل وخطورته، فالحرب النفسية تهدف عادة إلى كسر المعنويات وإرباك البيئة الحاضنة، في حين أن ما حدث يوحي بمحاولة فرض نمط جديد يتجاوز القصف إلى السيطرة على حركة السكان نفسها، ومن هنا يمكن فهم أحد الأهداف الأساسية لخطة الإخلاء في سياق السعي إلى «تجريد المنطقة عسكرياً، وتحويل المنطقة السكنية المكتظة». مربعات مكشوفة بالكامل للطيران والاستطلاع، أي أن العدو يريد القتال في منطقة خالية من السكان قدر الإمكان، مما يسمح له بتوسيع هامش الدمار واستهداف البنية التحتية اللوجستية التي يعتقد أنها مخبأة تحت هذه الخرسانة المترابطة، دون الاضطرار إلى التعامل مع أي حضور بشري كثيف قد يحد من زخم آلته التدميرية، وفي السياق نفسه، تتجاوز هذه الاستراتيجية فكرة «إصابة الهدف» إلى محاولة «الانتهاء من تدمير المكان» نفسه الأحياء تعني عمليا قطع الصلة بين المقاومة وبيئتها الجغرافية، بحيث تصبح العودة إلى هذه المناطق معضلة فنية ومادية هائلة، وبالتالي تحاول إسرائيل، من خلال هذا التدمير الحضري الواسع، جعل إعادة إعمار الضاحية طريقا صعبا للغاية في المستقبل المنظور، وهو ما قد ينعكس على قدرة حزب الله على استعادة قيادته وموقعه اللوجستي في قلب العاصمة لسنوات طويلة. بين المنطقة العازلة والانفجار الاجتماعي، هناك بعد عسكري آخر لا يقل أهمية عن السابق، وهو محاولة فرضه. شيء أشبه بـ«منطقة عازلة» داخل الضاحية نفسها، لكن بالنار والدمار، وليس بالجدران والأسلاك. وبتحويل الأحياء إلى أنقاض، تضمن إسرائيل أن أي تحرك مستقبلي في هذه المناطق سيكون تحت مجهرها الدائم، وأن إعادة إعمار ما تم تدميره لن يكون سهلاً أو سريعاً كما ميزت فترة ما بعد حرب تموز 2006. والنتيجة المرجوة هنا لا تقتصر على إخراج الضاحية من معادلة «الوزن الجغرافي»، بل تتجاوزها لتحويلها إلى عبء عمراني وإنساني صعب. لكن، وبعيداً عن الحسابات العسكرية البحتة، يمكن الحديث عن أبعاد أكثر خطورة وراء الخطوات الإسرائيلية غير المسبوقة، بما في ذلك محاولة إنتاج وقائع ديمغرافية وجغرافية جديدة، ولو مؤقتاً. إن التهجير الواسع النطاق، ولو لساعات أو أيام، يترك أثراً تراكمياً على البنية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للمدينة، ومع تكرار هذا النمط يتحول النزوح من حدث استثنائي إلى استنزاف مستمر، وهو ما يتراكم الضغط على شبكات الإيواء والخدمات والمجتمعات المضيفة والاقتصاد المحلي يضع لبنان أمام أزمة داخلية متدحرجة لا تتوقف عند القصف نفسه، أما البعد الأطول فهو على الأرجح مرتبط بما يأتي بعد الحرب نفسها، فإسرائيل لا تقاتل لتحسين أوضاعها الميدانية الآنية فحسب، بل أيضاً لخلق أوراق تفاوضية وسياسية لما قد يتبع هذه الجولة، فعندما تفرض بالنار سابقة من نوع إخلاء الضاحية، فهي تحاول إرساء منطق يقول إن مناطق بأكملها في لبنان يمكن أن تخضع لابتزاز عسكري جماعي كلما قررت ذلك. كذلك تسعى إسرائيل إلى ضرب الذاكرة الجماعية للناس وربط مناطقهم بالرعب والدمار. إن الإخلاء الكامل لأحياء واسعة مثل حارة حريك والغبيري وبرج البراجنة يهدف إلى كسر روح الصمود لدى الناس، من خلال جعلهم يشعرون بأن ممتلكاتهم وكد حياتهم ذهبت سدى. في الختام، لا يبدو أن أمر إخلاء الضاحية الجنوبية حدث عسكري عابر لا يمكن وضعه إلا في خانة الأحداث ولا حتى في فئة الضغط التقليدي على حزب الله أو الدولة عبر ورقة الشعب. ما حدث يوحي بمحاولة إسرائيلية لتأسيس نوع جديد من الحرب لا يقتصر على استهداف البنية العسكرية، بل يستهدف أيضاً الجغرافيا المدنية نفسها، بكثافتها السكانية ورمزيتها السياسية ووظيفتها اللوجستية. وبهذا المعنى، تبدو أوامر الإخلاء جزءاً من معركة أوسع لإعادة تشكيل المكان وإرباك الداخل وفرض حقائق تتجاوز القصف اليومي، مما يجعل خطورتها كبيرة. أعظم من التحذير نفسه



