اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-15 09:30:00
لم تعد الحرب في لبنان، في أسبوعها الثاني، مجرد تداول أخبار عاجلة، بل واقعاً قاسياً يعيشه الناس على الأرض كل يوم. لقد نزح أكثر من مليون شخص من منازلهم، وازدحام المدارس ومراكز الإيواء تحمي الناس من جحيم القصف والحرائق، وأصبحت السيارات على الطرقات مأوى مؤقتا. في كل زاوية وجه طفل لا يشعر بالأمان، وأم تستمع بقلق إلى أصوات المداهمات، تسأل: متى تنتهي؟ صحيح أن اللبنانيين اعتادوا العيش تحت وطأة الأزمات والحروب، لكن مشهد النزوح الجماعي من الجنوب إلى البقاع وبيروت يعيد إلى الأذهان أقسى صور الحرب. وفي خضم هذه المأساة، ظهرت أيضًا لهجة قاسية في بعض المناقشات، حيث يتم إلقاء اللوم أو الاتهام على بعض النازحين بأنهم جزء من الحرب أو التسبب فيها بسبب انتماءاتهم السياسية. لكن الواقع الإنساني أبسط وأقسى في الوقت نفسه: عندما تبدأ الغارات، لا يسأل المفجرون عن الانتماء، ولا يسأل الهاربون عن السياسة. إن النزوح في لحظة الخطر ليس خيارا سياسيا، بل هو غريزة البقاء. ولذلك يبقى النزوح مأساة إنسانية لا حزب لها ولا دين ولا لون. عندما يُقتلع النازح من جذوره، في هذا السياق، يقول الدكتور دال حتي الأستاذ الجامعي والناشط المجتمعي ورئيس “جمعية المبادرات والقرارات”، في حديث إلى “لبنان 24” إن الإنسان يعيش حياته كلها باحثاً عن الأمان. وفي رأيه أن الأمان ليس مجرد شعور عابر، بل هو الأساس الذي يمنح الإنسان القدرة على التفكير بحرية والإنتاج والابتكار. فعندما يتوفر الأمن يستطيع الفرد أن يبني حياته ومستقبله ويساهم في بناء مجتمعه. ويشير حتي إلى أن التاريخ في لبنان والمنطقة يؤكد أننا نادرا ما عرفنا الأمان المطلق. والأزمات المتكررة والحروب والسياسات الخاطئة كلها عوامل جعلت هذا الشعور هشاً وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة. ومع الصدمات المتكررة، تصبح السلامة حاجة ملحة يبحث عنها الناس أكثر من أي وقت مضى. ويضيف أنه عندما يتعرض الإنسان للحروب تصبح غريزة البحث عن الأمان لديه على رأس الأولويات، فالإنسان يسعى أولاً لحماية نفسه وأسرته، لأن الأسرة تبقى الركيزة الأساسية في مجتمعاتنا. ومن هنا يبدأ الإنسان بالبحث عن الأمان النفسي والاجتماعي، كما يبحث عن المأوى والغذاء. ويواصل حتي أن الحروب تدفع الناس في كثير من الأحيان إلى النزوح، فيقتلع الإنسان من بيئته الطبيعية وينفصل عن تفاصيل حياته اليومية: عن الحي الذي يعرفه، والمحل الذي كان يمر به، ودار العبادة، والجيران، وكل ما شكل جزءًا من ذاكرته وانتمائه. ويوضح أنه عندما يصبح الإنسان نازحاً، فإنه يبدأ رحلة جديدة للبحث عن الأمان من جديد، وعن الشعور بالانتماء الذي فقده فجأة. وترافقه أسئلة كثيرة لا تفارقه: هل سيعود؟ وكيف سيعود إلى مدينته أو قريته؟ فهل سيبقى منزله كما هو أم دمرته الحرب؟ ويشير إلى أن النازح يخشى أيضاً فقدان مجتمعه وهويته. عندما يُقتلع الإنسان، يبدأ بالبحث ليس فقط عن الحماية ومصدر الرزق، بل أيضاً عن الاستمرارية والمكان الذي يشعر أنه لا يزال ينتمي إليه. ويضيف أن النازحين يعيشون أحياناً بين خوفين: الخوف مما تركوه خلفهم، والخوف مما ينتظرهم في المكان الجديد، خاصة مع القلق من أن يتلاشى التضامن مع مرور الوقت أو أن يرفضهم المجتمع الذي لجأوا إليه. ويرى حتي أن هذه المخاوف قد تتفاقم عندما تتكرر تجربة النزوح أو عندما تكون ظروف المكان الذي لجأ إليه الأشخاص صعبة وغير مستقرة، مما يخلق حالة دائمة من التوتر والقلق. ويختتم بالقول إن المجتمعات التي تدرك أن العودة قد تكون صعبة أو مستحيلة تواجه جرحًا أعمق، فهي لا تفقد منازلها فحسب، بل تخشى أيضًا فقدان تاريخها وبيئتها وذكرياتها: رائحة الأرض والأزقة القديمة وحتى قبور أجدادها. ويطرح سؤالاً مؤلماً: كيف لمجتمع اقتلع من جذوره، وتشرد من أرضه، وانعزل عن ذاكرته، أن يعود يوماً إلى ما كان عليه؟ صراع البقاء.. قراءة نفسية لمشهد النزوح. وفي البعد النفسي، توضح الدكتورة ديزيريه قاضي المتخصصة في علم النفس الإكلينيكي في حديث إلى “لبنان 24” أن مشهد خروج الناس من منازلهم وكل ما يملكون فجأة يحمل دلالات نفسية عميقة. وتوضح أنه عندما يغادر الإنسان منزله وممتلكاته وكل ما يتعلق بذاكرته بسرعة، فهذا يعني أن غريزة البقاء أصبحت أقوى من أي ارتباط بالمكان أو الممتلكات. في لحظات الخطر، يعمل الدماغ بما يعرف بـ “وضعية البقاء”، حيث يصبح الحفاظ على الحياة الجسدية هو الأولوية المطلقة، بينما تتراجع أهمية الذاكرة والممتلكات وكل شيء مادي. ويشير قاضي إلى أن هذا السلوك لا يقتصر على الفرد فقط، بل يعكس أيضا التحولات الاجتماعية داخل المجتمع. ويشير النزوح الجماعي في كثير من الأحيان إلى انهيار الشعور بالأمن الجماعي وفقدان الثقة في الأمن أو الاستقرار السياسي. كما قد ينتقل الخوف من شخص إلى آخر، حيث أن رؤية الأشخاص يغادرون تدفع الآخرين إلى اتخاذ القرار نفسه، وبالتالي ينشأ ما يشبه سلوك النزوح الجماعي. وتضيف أن تكرار هذه المشاهد في المجتمعات التي شهدت حروبًا متتالية يكشف عن وجود ذاكرة جماعية للصدمة. تجارب الماضي تجعل الناس أكثر سرعة في اتخاذ قرار الفرار، لأنهم تعلموا من الماضي أن الخطر قد يتصاعد بسرعة وأن تأخير المغادرة قد يكون مكلفا. وعن تحول الخوف إلى صدمة طويلة الأمد، يوضح قاضي أن الخوف هو في الأصل رد فعل طبيعي يهدف إلى حماية النفس، لكنه قد يتحول إلى صدمة نفسية عندما تصاحبه عوامل معينة، مثل شدة الحدث مثل القصف أو التهديد المباشر للحياة، والشعور بالعجز التام عن حماية النفس أو الآخرين، واستمرار التهديد لفترة طويلة دون أفق واضح لانتهاءه، بالإضافة إلى غياب الدعم النفسي أو الاجتماعي بعد وقوع الحدث. وتشير إلى أنه في مثل هذه الحالات يبقى الجهاز العصبي في حالة من اليقظة المفرطة، وكأن الخطر لا يزال قائما، والذي قد يظهر من خلال القلق المستمر والكوابيس واستدعاء المشهد المؤلم، بالإضافة إلى الحساسية المفرطة للأصوات أو الأخبار المتعلقة بالحدث. ويتحدث قاضي أيضاً عن الفرق بين خوف الأطفال وخوف الكبار في ظروف الحرب والنزوح. ووفقا لها، يعاني الأطفال من الخوف بطريقة أكثر غريزية وبسيطة، حيث يشعرون بالتهديد عندما يرون خوف والديهم. غالبًا ما يتجلى خوفهم من خلال البكاء أو الارتباط المفرط بالعائلة أو التبول اللاإرادي أو الانسحاب والصمت. ولا يفهم الطفل الحدث في سياقه السياسي أو التاريخي، بل يعيشه في المقام الأول كفقدان للأمن. أما الكبار، فلديهم وعي أوسع بطبيعة الخطر وتداعياته، كما يشعرون بمسؤولية حماية الأسرة. ولذلك قد يظهر خوفهم على شكل قلق دائم، أو تفكير مفرط في المستقبل، أو شعور بالذنب، أو محاولة السيطرة على كل التفاصيل من حولهم. وبحسب قاضي، فإن خوف الطفل يرتبط بشكل أساسي بفقدان الأمان، بينما يرتبط خوف الشخص البالغ أيضًا بالشعور بالمسؤولية وعدم القدرة على الحماية. وعن تجربة النزوح نفسها، يؤكد قاضي أن النازح لا يفقد المكان فحسب، بل قد يشعر أيضًا بأنه فقد الإحساس بالاستمرارية والهوية المرتبطة بذلك المكان. ولذلك فإن الشعور بفقدان السيطرة أو فقدان “كل شيء” هو شعور طبيعي في مثل هذه الظروف. ولمواجهة هذه الحالة نفسياً، ينصح قاضي بعدة خطوات، منها الاعتراف بالمشاعر وعدم إنكار الحزن أو الغضب، لأن التعبير عنها يساعد على منع تحولها إلى صدمة مكبوتة. كما تشير إلى أهمية إعادة النظام اليومي البسيط، حتى في ظروف النزوح، مثل تحديد أوقات النوم والأكل، لما لذلك من دور في استعادة قدر من الاستقرار النفسي. كما تؤكد على أهمية الحفاظ على الروابط الاجتماعية والتواصل مع الأهل والأصدقاء، لأن ذلك يقلل من الشعور بالعزلة ويعيد بناء شبكة الأمان النفسي. وتنصح أيضًا بالتركيز على ما تبقى وليس فقط ما فقد، حيث أن مجرد البقاء على قيد الحياة يمكن أن يكون نقطة انطلاق لإعادة بناء المعنى. وتضيف أن التعبير عن التجربة بالكلمات أو الكتابة يساعد العقل على تنظيمها وفهمها، بدلا من أن تبقى مجرد خوف داخلي غير مفهوم. ويخلص قاضي إلى أن النزوح ليس مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل هو هزة عميقة في الشعور بالأمن والهوية. لكن التجارب الإنسانية تظهر أن الإنسان قادر على إعادة بناء نفسه وحياته عندما يجد سنداً وكلمة ومعنى لما مر به. ويعيش آلاف المواطنين على أمل أن تنتهي الحرب، وأن يعودوا إلى ديارهم آمنين، دون أن يفقدوا أحداً من أحبائهم، وأن يجدوا أرضهم كما زرعوها، وبيوتهم كما تركوها، دون دمار أو احتلال، وأن يعيدوا بناء حاضرهم دون أن تسرقهم الحرب من جذورهم من جديد. المصدر: لبنان 24 خاص



