اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-01 10:30:00
يعيش لبنان اليوم مرحلة مفصلية في جمهورية تشرذمت وانقسمت إلى ساحات، تغيرت فيها التحالفات مع التغيرات الدولية والإقليمية. وهي مرحلة لا تشبه في قسوتها أو غموضها أي تسوية سابقة شهدناها. القواعد التي كان يعتمد عليها السياسيون تغيرت تماماً بعد أحداث 7 أكتوبر، يوم قرر «حزب الله» فتح جبهة دعم لـ «حماس»، شريكته في «المحور»، من جنوب لبنان، ليدخل لبنان كله في نفق مظلم لم يخرج منه حتى يومنا هذا. ولم يدرك المعترضون أن الواقع الإقليمي قد تغير، وأن الساعة الرملية لذلك العصر بدأت تنفد، معلنة نهاية الزمن الذي سمح بتثبيت المعادلات على المقاييس القديمة. تغيرت موازين القوى التي سيطرت على مدى عقود جذرياً، بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي أدار بالوكالة وباطلاً كما فعل والده حافظ، ما سُمي بـ”حالة الصمود والمواجهة”، ووضع مختلف الفصائل والحركات المسلحة تحت سيطرته دعماً للقضية الفلسطينية. أما غزة اليوم فهي في عهدة «مجلس السلام العالمي» الذي بدأ أمس أولى خطواته نحو تنفيذ ما رسم على صفحاته الموقعة في القاهرة. ولم تكن هذه التغييرات مجرد محطة عابرة، بل كانت بداية «الشرق الأوسط الجديد» الذي تصدر عناوين الصحف لعقود من الزمن. انطلق قطارها يوم غامر يحيى السنوار ورفاقه بغزة وأهلها، وانتقلت شرارتها إلى جنوب لبنان، حيث عرف محور المقاومة أنه دخل أتون النار وحيدا، فيما ترك حلفاؤه في السياسة سفينته لينقذوا أنفسهم من محور بات من المؤكد خروجه من قطار الاستيطان. يعاني جنوب لبنان اليوم من واقع لم يسبق له أن عاشه في تاريخه. دمار هائل غيّر معالمها الجغرافية وبنيتها بمختلف جوانبها، وطبع قراها، من الواجهة الأمامية وصولاً إلى صور والنبطية، بذاكرة لم تشهدها حتى في أقسى الغزوات التي انتهت عام 2006. نحن أمام واقع إقليمي جديد غابت فيه الركائز الأساسية التي شكلت بنية المحور الذي أنشأته طهران وعيّنت نفسها «حارساً لها»، من العراق مروراً بسوريا إلى لبنان، حيث ازدهر «حزب الله» ركيزتها الإقليمية. قلب الشرق الأوسط. وبات من المسلم به أن تغيرات المحيط انعكست على الداخل اللبناني الذي يواجه اليوم واقعاً جديداً بعد انحلال الحلفاء الذين استفادوا واستفادوا من هذا المحور من خلال خطاباتهم على المنابر، ومن خلال رفع أيديهم للتصديق على المكتسبات التي حققت حضورهم على الساحة. وخرجوا من تلك الساحة مع الموجة الأولى التي ضربت بنية المحور، بعد أن أدرك معظمهم أن المعادلات التي حكمت لبنان منذ «اتفاق القاهرة» أصبحت تاريخاً، مع اختفاء أوراق الضغط القديمة وسقوط الرهانات التقليدية، ليجدوا أنفسهم أمام واقع أجبرهم على البحث عن خيارات وجودية جديدة. في قلب مشهد الأزمة هذا، يبدو رئيس مجلس النواب نبيه بري، بـ«أرانبه» السياسية التي يستخرجها بمهارة لتمرير التسويات، غير قادر على الإمساك بزمام المبادرة كما في السابق. تراجع دوره «الوسيط» الذي أتقنه على مر السنين، حيث «لم يكن هناك صوت أعلى من صوت مطرقته» التي كان يرفعها في وجه الخصوم، ويجد نفسه اليوم قد خرج من ساحة المناورة، متمركزاً علناً إلى جانب توأمه «حزب الله»، ليصبح هو نفسه جزءاً من مأزق المحور الذي يمثله. في هذا الوقت الحرج الذي أجبر لبنان على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل بتصميم وإصرار أميركيين، كان «البيك» يديره وليد جنبلاط. وكانت دوافعه التوفيقية دعم حليفه الرئيس بري الذي خاض معه سنوات من التحالفات والخصومات المتقلبة، عبر تغريدة أحيا فيها اتفاق الهدنة عام 1949 لضبط العلاقات مع إسرائيل، معتبرا إياها جزءا لا يتجزأ من «اتفاق الطائف» المذكور في كلمة القسم والبيان الوزاري. لفهم هذه التحولات جنبلاط التي تحاكي تقلبات الزمن، كان لا بد من العودة إلى ذكرى مخضرم عاش أدق مفاصل تاريخنا، واصفا مواقف وليد. تصريح جنبلاط الأخير أنه يندرج في إطار المثل القائل: «من حقه ما لا يحق لغيره»، مستذكراً المشاهد التي طبعت ذاكرة الجبل، وقدرة «البيك» المذهلة على التنقل بين الضفاف باحترافية. جنبلاط واللعبة بين التوازنات يرى محاوري أن سلوك جنبلاط تجاه باقي المكونات اللبنانية، ظل يتقلب، على مر السنين، بناء على حسابات دقيقة. وهنا لا بد من العودة إلى العام 2005، عندما كان جنبلاط أول من استشعر بدقة حجم الكتل الشعبية التي رافقت عودة العماد ميشال عون من المنفى، واصفاً إياها بـ«تسونامي». وقد أثبتت الأيام صحة هذه القراءة، إذ تجسدت فعلياً في هاوية انتخابية داخل صناديق الاقتراع، ثم تحولت إلى «تسونامي سياسي» إثر تفاهم «مار مخايل» الذي وقعه عون مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وأمن من خلاله الغطاء المسيحي الماروني القوي الذي عزز قدرات الحزب الاستثمارية في مقدرات الدولة. ويواصل محاوري كلامه، مستذكراً المراحل التي طبعت علاقة جنبلاط مع القوى المسيحية، لا سيما بعد المصالحة التاريخية التي أرسى أسسها مع البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير، والتي لم تمنع استمرار التوتر مع هذه القوى، إذ شهدت العلاقة مداً وجزراً، تحكمها العلاقة مع الرئيس بري. في المقابل، كان جنبلاط يظهر انضباطاً واقعياً واسترضاءً حذراً في مواجهة صعود القوة السياسية والعسكرية للتشيع السياسي، مدفوعاً بتقدير ميداني يشير إلى خلل في موازين القوى، بعد أن أحس أن الساحة المسيحية خالية من أوراق القوة الحقيقية التي تلاشت في صراعات السلطة والمحاصصة. خيار التهدئة تكاد التحولات في خطاب جنبلاط، بحسب من تحدثت معهم، هي السمة الأبرز في مسيرته. ولعل أكبر شاهد على ذلك هي اللحظة التاريخية في 14 شباط/فبراير 2007، عندما صعد إلى منصة ساحة الشهداء، ملقياً خطاباً تجاوز فيه كل السقوف الدبلوماسية، واصفاً نظام بشار الأسد بـ«الحوت الذي جرفته البحار». لكن تلك الأسقف العالية تضاءلت تدريجياً ووصلت إلى نهايتها خلال زيارته الشهيرة لدمشق عام 2010، مع سيطرة الواقعية السياسية على إرث الانتقام الذي أملته موازين القوى آنذاك، وفتحت صفحة جديدة فرضتها التسويات الإقليمية. ترويض الوقت والمعارضين. ولكن يبدو أن ضفة النهر اليوم لم تعد مكانا آمنا للانتظار. ويدرك البيك أن صديقه الرئيس بري عالق بين حليف محلي وإقليمي شرس لن يقبل بأنصاف الحلول، وبين ضغوط أميركية صارمة. وهذا ما دفعه إلى طرح مبادرة إحياء اتفاق الهدنة، ربما كحل سياسي يحاول تسويقه لتخفيف الضغوط. لكن هذه الدعوة التي تبدو وكأنها “هدنة هروب”، تبدو في جوهرها محاولة للالتفاف على الواقع المعقد، في وقت يبدو من خلال موقف الراعي الدولي أنها لم تعد قابلة للتطبيق، ما يضعها في خانة المناورات السياسية الهادفة إلى قطع الوقت في انتظار انقشاع غبار المعارك الكبرى التي لا تزال تلوح في الأفق.


