اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-09 14:00:00
لم تكن الغارة الإسرائيلية على سياج الغدير في الضاحية الجنوبية لبيروت، الأحد الماضي، ضربة عسكرية عابرة ضمن سلسلة ضربات مستمرة منذ أشهر، ولا انتهاكا إسرائيليا إضافيا في سجل طويل من الانتهاكات. كان اختباراً لسقف المرحلة برمتها: ماذا تستطيع إسرائيل أن تفعل في لبنان من دون انهيار ما تبقى من الهدنة؟ ماذا ستفعل إيران عندما تتجاوز تل أبيب الخطوط التي حاولت واشنطن إقامتها؟ وبسرعة جاء الرد. وبعد الضربة الإسرائيلية على الضاحية، دخلت إيران مباشرة على خط الرد الصاروخي على إسرائيل، للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى الجولة السابقة من المواجهة الإقليمية. وهكذا عادت الضاحية إلى الظهور ليس فقط كمنطقة لبنانية مستهدفة، بل أيضاً كنقطة اتصال بين الحسابات اللبنانية والإسرائيلية والإيرانية، في وقت كانت واشنطن تحاول فيه منع تحول أي صدام محلي إلى شرارة أوسع. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. لبنان الذي كان ينتظر وقف إطلاق النار ليفتح الباب أمام تراجع تدريجي في الاستهداف، وجد نفسه أمام معادلة أشد قسوة: ضربة كبرى على أرضه قد تستدعي ردا من خارجه، وردا من الخارج قد يفتح الباب لضربات في داخله. وهكذا، انتقل لبنان في أقل من 24 ساعة من اختبار وقف إطلاق النار إلى اختبار قواعد الاشتباك الإقليمية برمتها، وهو ما يكشف أن الهامش الذي حاولت واشنطن إقامته بين الملف اللبناني والحرب الأوسع كان هشاً منذ البداية. إسرائيل تختبر ما هو مسموح. لم يكن اختيار الضاحية اعتباطياً، ولا تفصيلاً عابراً في التوقيت أو الجغرافيا السياسية. أرادت إسرائيل من خلال الضربة أن تقول إنها لا تزال قادرة على الوصول إلى المناطق الأكثر رمزية بالنسبة لحزب الله، وأن وقف إطلاق النار لا يعني منعه من توسيع بنك أهدافه عندما ترى أن هناك حاجة لذلك. وفي الوقت نفسه، أرادت تكريس فكرة أن عمليات من هذا النوع «مشروعة» طالما أنها تأتي في إطار «حق الرد» على خرق حزب الله لاتفاق ينتهكه يومياً. بهذا المنطق أرادت تل أبيب إعادة تفعيل معادلة قديمة: أي إطلاق من الأراضي اللبنانية يبرر ضرب بيروت نفسها، حتى في خضم المفاوضات التي ترعاها واشنطن. لكن الرسالة الأعمق لم تقتصر على حزب الله، خاصة أن الضربة جاءت في وقت كان فيه اتفاق واشنطن قيد الاختبار، ويجري البحث في آليات التنفيذ وحدود التزامات كل طرف. ومن هذه الزاوية، أرادت إسرائيل أن تقول لإيران إن الساحة اللبنانية لا تزال عرضة للاستهداف، بغض النظر عما يجري في المسارات التفاوضية. لكن وراء الضربة الإسرائيلية على الضاحية، هناك رسالة غير مخفية إلى واشنطن أيضاً، وهي أن التنسيق المسبق لا يعني التقييد الكامل، حتى لو أكدت تل أبيب أنها أبلغت إدارة الرئيس دونالد ترامب بذلك مسبقاً. أما مضمون الرسالة فهو أن التنسيق المسبق لا يعني التقييد الكامل. ولذلك، بدا الاستهداف محاولة إسرائيلية لفرض تفسير أحادي لوقف إطلاق النار، يقوم على “حرية الحركة” المطلقة لإسرائيل، جويا وعسكريا، مقابل هدنة مشروطة بعدم الرد على الخروقات المتواصلة. إيران تعيد ربط الساحات. عملياً، لم يكن الرد الإيراني مفاجئاً لمن تابع التصريحات التي سبقته. وأعلنت طهران صراحة أنها ستشن ضربات ضد إسرائيل إذا تم استهداف العاصمة اللبنانية، وهو ما حدث. لكن المهم لا يكمن في التسلسل الزمني وحده، بل فيما يعنيه هذا الرد على مستوى المعادلة. ومنذ وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل الماضي، حرصت واشنطن على فصل الملف اللبناني عن الحرب الأوسع مع إيران. وراهنت على فكرة أن لبنان يمكن أن يتجه نحو اتفاق شامل مع إسرائيل بغض النظر عما يجري على الجبهة الإيرانية، وهو ما يجري العمل على ترسيخه من خلال اتفاق وقف إطلاق النار، حتى لو بقي هشاً، إضافة إلى مسار 22 حزيران/يونيو. لكن الرد الإيراني جاء ليقول العكس، ويفتح مرة أخرى الباب الذي حاولت الدبلوماسية الأميركية إغلاقه. وبهذا المعنى، وجهت طهران رسالة مزدوجة: استهداف الضاحية لن يبقى شأناً لبنانياً داخلياً، ومحاولة عزل لبنان عن المواجهة الإقليمية لن تمر بسهولة. بعد هذه الجولة، لم تعد الضاحية تفصيلاً في المشهد اللبناني وحده، بل أصبحت مؤشراً مباشراً على ما قد تفعله طهران في أي جولة مقبلة. وهنا يظهر خطر التحول. بردها أعادت إيران الربط بين المسارين اللبناني والإقليمي. ما كانت واشنطن تحاول تفكيكه سياسياً أعادته الصواريخ إلى نقطة واحدة: لبنان ليس خارج الحرب الكبرى، حتى وهي ليست من يقرر توقيتها أو شكلها أو سقفها. هذه الرسالة تضع الدولة اللبنانية في موقف حساس جداً. وهي لا تريد أن يتحول لبنان إلى مساحة مفتوحة لتبادل الرسائل بين إيران وإسرائيل، لكنها في المقابل لا تملك الأدوات الكافية لمنع إسرائيل من التصعيد، ولا القدرة الكاملة على منع طهران من إدخال الضاحية في معادلة الردع. وبين هذين النقيضين، يدفع اللبنانيون ثمن قرارات لا تُتخذ كلها في بيروت. في النهاية، لبنان اليوم لا يواجه خرقاً جديداً فحسب، بل يواجه اختباراً أخطر: هل يمكن أن يتحول وقف إطلاق النار إلى حماية فعلية، أم أنه سيبقى مجرد استراحة قصيرة بين جولتين؟ إن هجوم الضاحية وما تبعه من رد إيراني وضربات إسرائيلية داخل إيران، يوحي بأن الهدنة دخلت مرحلة أكثر هشاشة، وأن لبنان عاد مرة أخرى إلى قلب معادلة لا يستطيع وحده أن يقرر فتحها أو إغلاقها. لبنان ليس صاحب القرار في معادلة الردع الإيرانية ـ الإسرائيلية، لكنه يدفع ثمنها أرضاً، وفي السماء، وشهداء.



