اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-28 08:19:00
لا يكمن النقص في محاولات الشعب اللبناني الخروج من أزماته المتتالية بقدر ما يكمن في غياب الشرط الأساسي لأي عملية صحوة حقيقية: المساءلة! منذ عقود طويلة، يعيش لبنان سلسلة متواصلة من الأزمات التي تتخذ أشكالاً مختلفة. فوضى أمنية، وعدم استقرار سياسي، واضطرابات اجتماعية وتعليمية، وانهيارات اقتصادية متكررة. لكن النتيجة هي نفسها تقريباً في كل مرة: تراجع مستوى المعيشة، وتبديد الجهد والثروة والنمو الذي راكمه اللبنانيون، والعودة إلى نقطة الصفر، أو إلى ما هو أقل منها أحياناً، كما يحصل اليوم في ظل الحرب المدمرة المستمرة وتداعياتها الواسعة. وحتى وصف اللبنانيين بأنهم قادرون على التكيف مع الأزمات، تحول إلى ما يشبه الصفة الوطنية. يُنظر إلى هذه القدرة أحيانًا على أنها ميزة استثنائية مقارنة بالشعوب الأخرى. لكن هذا التكيف لم يكن نتيجة ظروف طبيعية، بل نتاج تجربة قاسية اكتسبها اللبنانيون نتيجة الحروب والأزمات والانهيارات المتوالية. وبينما تمر مجتمعات كثيرة بتجارب مؤلمة ثم تبادر إلى مراجعة أسبابها ومحاسبة المسؤولين عنها لمنع تكرارها، يبدو أن التجربة اللبنانية تسير في اتجاه مختلف، حيث يصبح التكيف بديلاً للتغيير، والصبر بديلاً للإصلاح. لقد شهد العالم أمثلة كثيرة لدول ومجتمعات خرجت من حروب أهلية أو أزمات اقتصادية وسياسية كبرى، لكن القاسم المشترك بينها هو وجود آليات واضحة للمحاسبة والمراجعة. وفي عدد من الدول الأوروبية التي عانت من الحروب، وكذلك في تجارب الدول التي خرجت من أنظمة استبدادية أو من صراعات داخلية دامية، ارتبط إعادة الإعمار بمحاسبة المسؤولين عن الأخطاء والسياسات التي أدت إلى الكوارث. في لبنان، غالباً ما يتم تخطي هذه المرحلة وكأنها تفصيلة ثانوية يمكن الاستغناء عنها. خصوصية الأزمة اللبنانية تكمن في أن النقاش العام ينتقل بسرعة من تحديد المسؤوليات إلى البحث عن التسويات. إن الأزمة الاقتصادية التي انفجرت منذ سنوات لم تمس فئة أو منطقة أو طائفة معينة، بل طالت الشعب اللبناني برمته. فقد تبخرت المدخرات، وانخفضت الأجور، وانهارت الخدمات العامة، وهاجر مئات الآلاف من الشباب وذوي المهارات. لكن على الرغم من الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها مختلف المناطق اللبنانية احتجاجاً على السياسات التي قادت البلاد إلى هذا الانهيار، إلا أن الأمور سرعان ما عادت إلى ما يشبه وضعها الطبيعي، وكأن شيئاً لم يكن. والأغرب أن القوى والشخصيات التي كانت جزءاً من منظومة القرار، والتي تتحمل بدرجات متفاوتة المسؤولية عما آل إليه البلد، تعود إلى تقديم نفسها على أنها صاحبة الحلول والمنقذ المنتظر. وهنا تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى ما يشبه الخلافات المحلية التي تعالج بمنطق «مشيخة الحي»، حيث تستبدل المساءلة الفعلية بالمصالحات الشكلية، وتستبدل العدالة السياسية والإدارية بمنطق «تهذيب اللحى» والتسويات المؤقتة. إن المساءلة ليست عملاً انتقامياً، بل هي شرط أساسي لمنع تكرار الأخطاء. وهو يعني في أبسط تعريفه الديمقراطي أن يتحمل المسؤول تبعات قراراته، ويحرم من الاستمرار في إدارة الشأن العام عندما يثبت فشله أو تورطه في الإضرار بالمجتمع والدولة. أما استمرار المسؤول نفسه في إدارة الأزمة بعد أن كان شريكاً في خلقها، فلا يمكن أن يشكل وصفة للخروج من الانهيار، بل طريقة أكيدة لإعادة إنتاجه. والحقيقة أن منطق الإدارة الذي ساد خلال العقود الماضية لا يصلح لإدارة حي صغير، فكيف بإدارة دولة بأكملها تحتاج إلى مؤسسات وقوانين وآليات رقابة ومحاسبة؟ وقد ساهمت عوامل كثيرة في إدامة هذا النموذج، أبرزها تغليب الولاءات الأولية على مفهوم المواطنة، والتدخلات الأجنبية التي غالباً ما تعاملت مع لبنان كساحة نفوذ وليس كدولة ذات سيادة ومؤسسات. وهكذا، ترسخ تدريجياً تصور خطير مفاده أن العمل خارج الدستور والقانون هو القاعدة، في حين يصبح الالتزام بهما هو الاستثناء. ورغم فترات الاستقرار النسبي التي عرفها لبنان خلال العقود الخمسة الماضية، فإن قسماً كبيراً من هذا الاستقرار كان هشاً ومصطنعاً، لأنه لم يرتكز على إصلاحات حقيقية أو بناء دولة المؤسسات، بل على تسويات مؤقتة وتأجيل المشاكل وتوزيع الخسائر والأعباء دون معالجة أسبابها العميقة. ولذلك فإن كل أزمة تحمل في داخلها بذور الأزمة التالية. اليوم، بعد الحرب الإسرائيلية المدمرة التي كبدت لبنان خسائر بشرية ومادية واقتصادية فادحة، يلوح في الأفق مشهد مألوف. وهناك من يستعد من جديد لتولي إدارة مرحلة ما بعد الحرب، تحت عناوين تمثيل المتضررين أو الدفاع عن حقوقهم أو إدارة عملية التعويضات وإعادة الإعمار. لكن التجربة اللبنانية منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1975 ومراحل إعادة الإعمار التي تلتها أثبتت أن تحويل إعادة الإعمار إلى شأن تديره قوى وجماعات سياسية عبر مؤسسات شبه رسمية أنشئت خصيصا لهذه القوى بدلا من مؤسسات الدولة، يؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج نفس الاختلالات التي ساهمت في اندلاع الحروب وحدوث الأزمات. إن إعادة بناء ما دمرته الحروب ليست مجرد عملية هندسية أو مالية، بل هي قبل كل شيء عملية سياسية ومؤسسية. فعندما يتم إقصاء مؤسسات الدولة لصالح شبكات النفوذ والولاءات الفئوية، يصبح التعويض أداة زبائنية، وتتحول عملية إعادة الإعمار إلى فرصة جديدة لإدامة توازن القوى القائم بدلاً من تصحيحه. ومن هنا، تبدو اللحظة الراهنة فرصة نادرة للخروج من الحلقة المفرغة التي حكمت التجربة اللبنانية منذ عقود. إن إدارة آثار الحرب وإعادة الإعمار والتعويضات يجب أن تكون مسؤولية الدولة ومؤسساتها حصرياً، وليس مسؤولية القوى الفئوية، بغض النظر عن شرعيتها التمثيلية داخل المناطق المتضررة. الدولة وحدها قادرة على جمع اللبنانيين تحت مظلة قانون واحد، ومعايير واحدة، وحقوق متساوية. إن الاعتماد المستمر على الفئات والجماعات والولاءات الأساسية لحل المشاكل الوطنية سوف يستمر في إنتاج نفس الأزمات بأشكال مختلفة. إن تجاهل المساءلة سيظل يسمح بإعادة تدوير النخب والسياسات التي أدت إلى الانهيارات السابقة. الدولة ليست مبنية على التعصب العائلي أو الطائفي، ولا تقوم على استثناءات دائمة من الدستور والقانون. بل يرتكز على مبدأ بسيط وواضح: من يقرر باسم اللبنانيين يجب أن يكون مسؤولاً أمام اللبنانيين. ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي لم يتعلمه لبنان بعد. ولا تصبح الأزمات والحروب حتمية إلا عندما يتكرر الخطأ نفسه دون مراجعة أو محاسبة. وعندما تتحول المساءلة إلى ثقافة عامة وممارسة مؤسسية، يصبح الخروج من الأزمات ممكناً، وتتحول التضحيات التي يدفعها اللبنانيون في كل مرة إلى بداية جديدة، وليس محطة إضافية في مسلسل الانهيارات المتكررة.



