اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-02 16:00:00
ويجمع أكثر من محلل سياسي على أن المواقف السياسية المتقدمة التي تضمنها بيان السفارة الأميركية في بيروت تتجاوز قدرة لبنان الحالية، على اعتبار أن أي حديث عن لقاء ترغب فيه واشنطن بشدة بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، سابق لأوانه. لبنان مثقل بألف قلق وقلق، أثقلها احتلال إسرائيل لجزء كبير من أراضي الجنوب، في وقت لا أحد يعرف مصير التهدئة الممتدة لثلاثة أسابيع، وهي هدنة هشة، إن قلنا غير ذلك. وقبل الحديث عن أي لقاء بين الرجلين، هناك مراحل كثيرة يجب أن يمر بها كل من لبنان وإسرائيل. ولعل المرحلة الأصعب والأكثر ضرورة وإلحاحاً هي وقف إطلاق النار بشكل جدي، وليس وقفاً رسمياً. إذا لم توقف إسرائيل قصفها للمدن والقرى الجنوبية والبقاعية، فإن الحديث عن أي خطوة مستقبلية هو مجرد ذر الرماد في العيون. وهذا ما يطلبه لبنان من الولايات المتحدة الأميركية لجهة ممارسة أقصى الضغوط على تل أبيب لوقف قصفها بحجة ملاحقة عناصر حزب الله، وهدم ما تبقى من مواقعهم المتقدمة والمحصنة، وتفجير الأنفاق. بين البيان الصادر عن السفارة الأميركية، والذي حدد ملامح المرحلة المقبلة والتعقيدات الداخلية والخارجية التي سيواجهها لبنان، والجهود العربية المبذولة، بما فيها الجهود السعودية والمصرية، هناك فرق شاسع على صعيد مقاربة القضايا اللبنانية الحساسة والمصيرية في هذا «البلد الفسيفسائي»، الذي يتطلب التعامل معه توازناً أساسياً. قبل الحديث عن أي لقاء مقبل، على جميع المعنيين بنجاح المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وبرعاية أميركية، سواء بشكل مباشر أو عبر وسيط، التأكد من الحد الأدنى من الاتفاق اللبناني الداخلي على مضمون هذه المفاوضات قبل أي شيء آخر، علماً أن الشكل مهم أيضاً مثل المضمون. وهذا الحرص العربي على الوحدة اللبنانية الداخلية لا يعني بالضرورة عدم تأييد توجهات الرئيس عون التفاوضية. بل على العكس تماماً، بحسب ما تؤكده الأوساط الدبلوماسية العربية التي تشير إلى أن تحصين المفاوضات الثنائية بموقف لبناني داخلي صلب من شأنه أن يعطيها زخماً أكبر نحو نتائج أكثر ضماناً. ولوحظ أن التفاعل الرسمي مع بيان السفارة الأميركية لم يكن بالمستوى الذي كانت تأمله واشنطن، التي اعتبرت أن “عقد لقاء مباشر بين الرئيس عون ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بوساطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سيعطي لبنان الفرصة للحصول على ضمانات ملموسة حول السيادة الكاملة ووحدة الأراضي وتأمين الحدود والدعم الإنساني وإعادة الإعمار، وإعادة بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بضمانة الولايات المتحدة”. خياران للبنان وليس ثالثا. في ظل هذه الحقائق المعقدة، يبدو أن لبنان دخل فعلياً مرحلة جديدة اسمها الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة فرض حقائق سياسية كبرى تحت ضغط النار. الموقف الأميركي، بوضوحه غير المسبوق، لم يترك مجالاً كبيراً للمناورة، بل وضع الدولة اللبنانية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الدخول في مسار تفاوضي مباشر بشروط أميركية دولية واضحة، أو البقاء في دائرة الإرهاق السياسي والأمني والاقتصادي المفتوحة. لكن ما يجعل هذا الخيار صعباً هو أن الداخل اللبناني لا يزال غير قادر على الخروج بموقف موحد، في ظل التباين المتزايد بين الرئاستين الأولى والثانية، وبين من يراهن على واشنطن كمدخل للحل، وبين من يفضل إبقاء الأوراق ضمن توازنات إقليمية أوسع، تتعلق مباشرة بطهران وما يقال عن مفاوضات غير مباشرة بينها وبين الإدارة الأميركية. وهذا الانقسام لا يضعف الموقف التفاوضي فحسب، بل يفتح الباب أيضاً أمام الخارج ليفرض إيقاعه وشروطه على مسار يفترض أن يكون سيادياً بالكامل. في موازاة ذلك، فإن التصعيد الميداني المستمر والرسائل العسكرية المتبادلة تعكس بوضوح أن ما يجري على الأرض ليس منفصلاً عن المسار السياسي، بل هو جزء من عملية الضغط المتبادل لتحسين الأوضاع قبل الجلوس على الطاولة. تواصل إسرائيل سياسة «النار تحت سقف التفاوض»، فيما تحاول واشنطن ضبط الإيقاع من دون أن تتمكن حتى الآن من فرض وقف حازم لإطلاق النار، في ظل ارتباط واضح بين الهدنة وما يمكن أن يقدمه لبنان في ملف السلاح ودور «حزب الله». أما في العالم العربي، فإن الدعم السعودي لمسار الدولة يوفر غطاء سياسي مهم، لكنه يبقى مشروطا بقدرة لبنان على ترجمة هذا الدعم إلى خطوات عملية تعيد الاحترام لسلطته المركزية. في المقابل، فإن الاستمرار في الرهان على ازدواجية القرار بين الدولة و”المقاومة” سيبقي هذا الدعم في إطار التشجيع السياسي، من دون أن يتحول إلى التزام فعلي بإعادة الإعمار أو الاستثمار في الاستقرار. وبالتالي فإن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة قرارات سهلة أو سريعة، بل مرحلة اختبار قاس لقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بزمام المبادرة. فالتفاوض، إذا حصل، لن يكون مجرد لقاء أو صورة، بل مسار طويل ومعقد، تتقاطع فيه الحسابات الداخلية مع التوازنات الإقليمية والدولية. في الختام، يقف لبنان اليوم عند لحظة مفصلية: فإما أن يغتنم الفرصة، مهما كانت صعبة، لإعادة مكانة الدولة واستعادة ما تبقى من سيادتها، أو يترك الآخرين يكتبون له مستقبله، كما كتبت له فصول كثيرة من ماضيه. في مثل هذه اللحظات لم يعد السؤال ماذا يريد العالم الخارجي من لبنان، بل ماذا يريد لبنان من نفسه.



