اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-17 09:00:00
ما قيل قبل 14 أبريل 2026 أصبح شيئاً من الماضي. وما سيقال بعد هذا التاريخ سيصبح ملكاً للأجيال الناشئة في لبنان الباحثة عن حياة لا تشبه أبداً ما عاشه «جيل الحرب» منذ نحو خمسين عاماً. كلمات الليل القادمة من زوايا الغرف السوداء يكاد يمحوها نهار الحقيقة الذي سيشرق كالشمس. لبنان الرسمي الذي أعلن رفضه الدخول في حرب لا خيار أمامه فيها سوى التنازل عن أي شبر من أرضه أو سيادته وكرامته، رغم اختلاف معاني هذه الكلمات في التوازن السياسي والسيادي بين المكونات اللبنانية. بعد 14 نيسان، لم يعد الحديث عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في إطار مباشر أمراً نظرياً أو بعيد المنال، بل أصبح واقعاً يتشكل ويتطور تدريجياً، مع تكثيف الاتصالات بين بيروت وواشنطن، والتحضير لما سيأتي بعد جولة أولى من الحوار الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه الأول من نوعه من حيث الشكل والمضمون، مهما كانت الظروف التاريخية، مما اضطر الرئيس الشيخ أمين الجميل إلى عدم المضي في اتفاق 17 أيار رغم موافقة لبنان عليه. مجلس النواب برئاسة كامل. الأسعد وحكومة الرئيس شفيق الوزان. وبحسب ما تؤكد مصادر وزارية فإن خط التواصل بين بيروت وواشنطن لم ينقطع خلال الأيام الماضية التي سبقت لقاء واشنطن، إذ عمل الفريق اللبناني المكلف بالتفاوض على إجراء مشاورات مكثفة مع المعنيين في الداخل، هدفها إعداد أجندة دقيقة ومهنية تواكب حساسية هذه المرحلة، وتعكس دقة التوازنات التي تحكم هذا المسار. وهذا ما حدث بالفعل. وأهمية هذه المفاوضات، برأي بعض الخبراء، لا تكمن في محتواها فحسب، بل في رمزيتها أيضا. وهذه هي المرة الثانية التي يجلس فيها لبنان على الطاولة نفسها مع إسرائيل في إطار تفاوضي مباشر، ما يفتح الباب أمام أسئلة كبيرة تتجاوز حدود التقنية الدبلوماسية، لتصل إلى عمق الخيارات السياسية والاستراتيجية، معتبرا أن لقاء واشنطن ما هو إلا بداية لمسار تفاوضي طويل ومعقد، وبالتالي يتطلب الكثير من الصبر والحكمة. وهنا لا بد من التذكير بتجربة سابقة لا تزال حاضرة في الذاكرة اللبنانية، وهي لقاء كريات شمونة في الثمانينات. وحينها كان لبنان يتفاوض تحت تأثير الاحتلال الإسرائيلي المباشر، وكانت المفاوضات جزءاً من محاولة فرض واقع جديد، توج باتفاق 17 أيار/مايو الذي لم يرى النور بسبب عوامل كثيرة سبق للرئيس الجميل أن فصّلها في كتاب مذكراته. واليوم تغير الشكل، ولكن بقي بعض المضمون. لا يوجد احتلال شامل كما كان من قبل، ولكن هناك ضغط عسكري مستمر. ولا يوجد جنود إسرائيليون في بيروت، لكن الغارات تصل إلى العمق رغم توقف استهدافها في اليومين الماضيين. لا توجد وصاية مباشرة، لكن القرار اللبناني لا يزال متأثرا بالتوازنات الإقليمية والدولية المعقدة. في كريات شمونة، كان لبنان ضعيفاً ومنقسماً. وفي واشنطن لا يزال الوضع على حاله، إذ يمكن القول إن لبنان لم يتجاوز بعد هذا الانقسام الرأسي والأفقي بعد 43 عاماً. وكما أشرنا سابقاً في هذه الزاوية المكتوبة، فإن إسرائيل تدخل المفاوضات وهي تعرف ماذا تريد، بدءاً من أمن حدودها الشمالية، وإزالة التهديد عنها، وفرض واقع جديد في الجنوب. وهذا الوضوح يمنحها أفضلية في أي مسار تفاوضي، خاصة عندما يقابل بإحجام لبناني عن تحديد الأهداف. وهنا تكمن المعضلة الأساسية. ولبنان الذي يفاوض خارجياً، ما زال يفاوض نفسه داخلياً، وهو أسير بين من يرى التفاوض ضرورة، ومن يعتبره تنازلاً، وبالتالي يفقد وحدة الموقف التي تشكل أساس أي نجاح. لكن لا يمكن إنكار أن هذه المفاوضات تحمل فرصة، ولو محدودة، لوقف النزيف واحتواء التصعيد. لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر كبيرة إذا تمت إدارتها من موقع الضعف أو من دون رؤية واضحة. التجربة الماضية لا تطمئن. وكما سقط اتفاق 17 أيار بسبب غياب التوافق الداخلي، يبقى أي مسار تفاوضي اليوم مهدداً بالمصير نفسه إذا لم ينجح لبنان في توحيد موقفه، أو على الأقل الاتفاق على الحد الأدنى من الأهداف. يقف لبنان اليوم أمام لحظة حساسة. فإما أن يتحول هذا المسار التفاوضي إلى فرصة للتنفس، وإما أن يتحول هذا التفاوض إلى مرحلة جديدة في إدارة الأزمات. المشكلة ليست في أن يجلس لبنان إلى طاولة المفاوضات، فمجرد الجلوس وحيداً لا يكفي، إذا كان لا يعرف ماذا يريد، وإذا كان غير قادر مستقبلاً على حماية ما تم الاتفاق عليه. التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يذكرنا دائماً أن لبنان لا يخسر فقط عندما يفرض عليه الاتفاق، بل أيضاً عندما يعجز عن حماية ما يوقعه.



