اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-23 09:30:00
بين مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من أهمية حصر السلاح بيد الدولة، وإدانته للاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة بوتيرة متصاعدة في جنوب الليطاني كما في الشمال وفي البقاع، هناك خط رفيع غير متعرج في طريق السيادة اللبنانية غير المنقوعة والمقسمة وغير المنحازة. ورغم أن هذه المواقف تقود البعض إلى انتقادات متناقضة شكلاً ومضموناً، فإن الرئاسة اللبنانية ترسم لنفسها خطاً موازياً للمفهوم الحقيقي لمعنى السيادة في دوائرها الشاملة المتكاملة، وعلى أساسه تخاطب العالم من منطلق المصلحة اللبنانية التي تسمو على أي مصلحة أخرى، آخذة في الاعتبار بالطبع الأحداث والتطورات التي تشهدها المنطقة، والتي ستؤدي نتائجها الحتمية إلى تغيير جذري في الخريطة الجيوسياسية. وتخضع هذه المناصب الرئاسية للتقييم الدولي. وخاصة أميركياً عشية الزيارة المرتقبة لقائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، والتي تأتي في وقت غير عادي، وبالتالي لا يمكن فصلها عن المسار السياسي الذي بدأ يتشكل بهدوء حول موقع الدولة اللبنانية ودورها الأمني، ولا عن الاستعداد الأميركي السابق لاستقبال الرئيس عون في البيت الأبيض. وتبدو هذه الزيارة، في مضمونها وتوقيتها، أقرب إلى خطوة تمهيدية محسوبة، تهدف إلى اختبار الأرض قبل الانتقال من التنسيق العسكري إلى الشراكة السياسية على أعلى المستويات. وبحسب بعض الخبراء في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وبحسب ما يدور في العقل الأميركي، فإن الرهان الأميركي على لبنان لا يبدأ من بعبدا، بل من اليرزة. والرئيس عون يعرف هذا الأمر جيداً، وقد عايشه قبل انتقاله من قيادة الجيش إلى الرئاسة الأولى. المؤسسة العسكرية هي المعيار الأول لقياس جدية الدولة وقدرتها على تنفيذ أي التزام سيادي. من هنا، يمكن فهم لماذا لم يحظ رئيس الجمهورية باهتمام أميركي كبير عندما شارك في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، على الرغم من استعداد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاستقباله، إذ لم يكن للدولة اللبنانية آنذاك «إنجاز أمني» يمكن البناء عليه، ولا خارطة طريق واضحة يمكن «تسويقها» في واشنطن. كان الجنوب مفتوحاً على احتمالات مختلفة، فيما كان القرار الأمني منقسماً بين منطقين متناقضين، وكان السلاح خارج الدولة هو السمة الأبرز لفترة ما قبل 5 آب/أغسطس. وهذا ما دفع الرئيس الأميركي إلى القول بأنه سيفعل شيئاً في ما يتعلق بلبنان. لقد تغير المشهد اليوم نسبياً، على صعيد تركيب المرحلة الأولى جنوب الليطاني، وبدأ الجيش يلعب دوراً أكثر حضوراً في هذه المنطقة الجغرافية الحساسة. ولا يخفى على أحد أن هذين العاملين سمحا بإعادة فتح القناة المباشرة مع واشنطن عبر المؤسسة العسكرية. وتأتي زيارة العماد هيكل للتأكيد على أن الدولة اللبنانية، أو ما تبقى من بنيتها، قررت أن تبدأ من حيث يمكن أن تبدأ، أي من المؤسسة العسكرية التي تضمن أي استقرار مستقبلي، وليس من تسويات سياسية هشة أو من الخطابات السامية. وفي هذا السياق، تبدو الزيارة بمثابة اختبار أولي لمدى قدرة الجيش على تحمل مسؤولية أدوار إضافية، لا سيما في شمال الليطاني، حيث لم يعد هذا الملف تفصيلاً فنياً، بل أصبح جزءاً من النقاش الدولي حول مستقبل الاستقرار في لبنان. وتريد واشنطن ضمانات بأن أي انتقال إلى المرحلة الثانية سيكون إيقاعيا، وإن كان تدريجيا، ومن دون احتمال الانزلاق إلى مواجهة داخلية. أما الجيش فيحتاج إلى غطاء سياسي ودعم مادي واضح حتى لا يتحول إلى جبهة مكشوفة لصراع أكبر منه. ومن هنا يمكن القول إن زيارة قائد الجيش قد تكون البوابة الفعلية لنضج زيارة رئيس الجمهورية إلى البيت الأبيض. وإذا أثبتت المؤسسة العسكرية قدرتها على الالتزام بالمسار المرسوم لها، فإن استقبال الرئيس اللبناني يصبح خطوة حتمية خارج إطار المجاملة الدبلوماسية. ولن تكون الزيارة، التي يتم الإعداد لها بدقة واحترافية، مجرد التقاط صورة تذكارية، بل تتويجا لعملية تدريجية من ثلاث مراحل محددة بوضوح. المرحلة الأولى كانت في جنوب الليطاني حيث تم تعزيز دور الجيش ومنع الفوضى. أما المرحلة الثانية، وهي الأكثر تعقيداً، فتتعلق بشمال الليطاني، أي تعميم تجربة المرحلة الأولى بشكل مختلف، يقوم على الانتشار والسيطرة وتفكيك الوظيفة السياسية للسلاح غير الشرعي من دون صدام مباشر. أما المرحلة الثالثة فهي إعادة طرح موضوع السلاح والإستراتيجية الوطنية على مستوى لبنان كله، تحت سقف الدولة وبغطاء دولي وعربي. وفي هذا السياق، فإن زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن، إذا نضجت ظروفها، ستصبح ختماً سياسياً دولياً على هذا المسار. وهذا بالضبط ما يفسر قلق حزب الله المتزايد وتصعيد خطابه. المشكلة بالنسبة له ليست قراراً فورياً بنزع السلاح، بل عملية تدريجية تُفرغ هذا السلاح من وظيفته السياسية، وتعيد الاحترام لمنطق الدولة. زيارة قائد الجيش إلى واشنطن ليست حدثاً قائماً بذاته، بل حلقة أساسية في سلسلة مترابطة، وهي: تحصين الجيش وتعزيز قدراته في نواحٍ عديدة، ونشر تجربة جنوب الليطاني من شماله، ومن ثم إلى كافة الأراضي اللبنانية، ومن ثم الانتقال إلى مستوى سياسي أعلى. أما زيارة الرئيس عون المحتملة إلى البيت الأبيض، فلن تكون إلا تتويجاً لهذا المسار، وإعلاناً عن أن لبنان بدأ، ولو ببطء، الانتقال من إدارة الانهيار إلى إدارة التحول.




