اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-12 13:32:00
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، قداس الحجمة وقداس الفصح في كاتدرائية القديس جاورجيوس بحضور حشد من المؤمنين. وبعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: “المسيح قام من بين الأموات وداس الموت بالموت وأعطى الحياة للذين في القبور”. وأضاف: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الله الكلمة”. هذا الإعلان الإلهي الذي يفتتح به الإنجيلي يوحنا إنجيله ليس تأملاً لاهوتياً مجرداً. إنه أساس كل فهم حقيقي لعيد الفصح المجيد. إن عيد الفصح ليس حدثًا عابرًا في التاريخ، ولا ذكرى نحييها، بل هو ظهور الحياة الإلهية نفسها في قلب عالم ميت. إنه دخول النور الحقيقي إلى ظلمة الإنسان ليخرجه من الداخل، من عمق الإنسان. إن القيامة التي نحتفل بها اليوم ليست حدثًا منفصلاً عن خطة الله الأبدية، بل هي تحقيق قصد الله منذ البداية: أن يعود الإنسان إلى شركة الحياة الإلهية. إن الفصح، في عمقه اللاهوتي، هو قمة سر التدبير الخلاصي الذي أنجزه الله في ملء الأزمنة. إن موت المسيح وقيامته هما ذروة عمل الله الخلاصي في تاريخ البشرية من أجل الخطيئة، وإلى تحرير أبناء الله، من سلطان الموت إلى شركة الحياة الأبدية. وفي سر الصليب دخل مسيحنا طوعًا إلى أعماق الموت، لا خاضعًا له، بل كمخلص يهدم قوته من الداخل. ونردد: “المسيح قام من بين الأموات، وداس الموت بالموت، وأعطى الحياة للذين في القبور”. لأن المسيح أعلن بقيامته انتصاره النهائي على قوى الشر والفساد، وأقام الجحيم من الداخل، وأقام معه الطبيعة البشرية، مقيماً إياها من سقوطها. ويعيد لها الصورة الإلهية التي خلقها عليها.” وتابع: “إن الكلمة الأزلي الذي به خلق كل شيء، لم يخلق الإنسان فحسب، بل نزل إليه وحمل ضعفه ودخل إلى موته ليقيمه. إن عيد الفصح ليس مجرد قيامة المسيح، بل هو أيضًا إمكانية قيامة الإنسان، ودعوته الحتمية إلى الحياة الجديدة. مأساة الإنسان أنه أحياناً يختار أن يغمض عينيه عن النور، ليس لأن النور غائب، بل لأن القلب متعلق بالظلام. هذا الخطاب موجه بصوت كنسي أبوي إلى كل إنسان، وإلى من أعطي سلطة ومسؤولية في هذا الوطن الجريح، ولا يمكن فصله عن واقعنا المرير في وطننا لبنان. الظلمة التي يتحدث عنها الكتاب المقدس ليست فكرة مجردة، بل هي حقيقة الخطية والظلم والفساد والاستهتار بالكرامة الإنسانية. لقد أشرق النور، فما هو العذر لبقاء الإنسان في الظلمات عندما أشرق نور القيامة؟ الكراسي إلا لتطهيرها.” قال: إن إنجيل اليوم يحمل في طياته دينونة رهيبة. رفض النور ليس جهلًا فحسب، بل هو موقف. وهو اختيار الظلمة بدلاً من النور، لأن النية شريرة والعمل شرير. كم من قادة ومسؤولين في هذا البلد عرفوا الحقيقة، وسمعوا صرخة الضمير، ورأوا وجع الشعب، لكنهم اختاروا البقاء في دائرة المصلحة والأنانية والسلطة المنفصلة عن الخدمة؟ لأن المسيح ما زال يأتي إلى هذا العالم، وإلى وطننا، في صرخة الجياع، ودموع المنكوبين، وألم النازحين، وخوف الشاب على مستقبله. لكن صوته لا يسمعه الكثيرون. وإلا فكيف نفسر شن الحروب وقتل الأطفال وتهجير الأبرياء ومحو القرى وتدنيس الكنائس وترويع المصلين؟ وما ذنب الأبرياء الذين استهانوا بحياتهم أو أرزاقهم؟ كيف يمكن للإنسان أن يسمح لنفسه بإزهاق حياة إنسان بالقتل أو الاغتيال أو الإعدام؟ هل خلق الله الإنسان للعذاب أم أرسل ابنه الوحيد ليفتديه بدمه ويخلصه؟ كيف نبرر الحروب المتتالية، ضد عدو شرس لا يعرف الرحمة، انجر إليه لبنان رغم إرادة الدولة ومعظم الشعب الذي لم يعد يحتمل العنف والخوف والتهجير وفقدان الأطفال وأرزاقه؟ وهنا لا بد من التعبير عن إدانتنا ورفضنا للجرائم والمجازر التي ارتكبها هذا العدو، وآخرها ما ارتكبه قبل أيام في بيروت، حيث يكون الأبرياء هم الضحايا دائما إذا كانت الحرب لا تؤدي إلا إلى الموت والخراب والدمار. وتستهلك المليارات، بينما السلام يحفظ الحياة، ويحفظ السيادة، ويعزز الاستقرار. هل يختار الإنسان الموت أم الحياة؟ أملنا أن تتوقف كل الحروب وأن يعود من شنها إلى ضميره وإلى تعاليم السماء التي تدعو إلى السلام واحترام الحياة والحفاظ عليها. وأضاف: “إن إنجيل اليوم يضعنا أمام الحقيقة التي لا مفر منها. فإما أن نقبل النور ونصبح “أبناء الله”، أو نرفضه ونحكم على أنفسنا بالبقاء في الموت. سمعنا في الإنجيل: “أما كل الذين… قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يكونوا أبناء الله. هذا السلطان ليس امتيازًا دنيويًا، بل دعوة إلى حياة جديدة ومسؤولية جديدة، على الإنسان أن يعكس صورة الله في أفعاله. المسؤولية ليست مجدًا أرضيًا، بل مشاركة في آلام الآخرين وتضحيتهم. إنها صراع يومي ضد الأنا، ضد الفساد والطغيان والظلم والشر. لذلك، من لا يحمل صليب مسؤوليته سيحمل صليب مسؤوليته”. احتمل حكمه، فلا قيامة بدون الصليب، ولا خلاص بدون إرادة وعمل. يقول الآباء: «الذي أُعطي لقيادة النفوس يُسأل عن كل نفس». فماذا لو قاد شعبا وقراراته تؤثر على مصير أمة ومستقبل أجيالها؟ فالمسؤولية لا تمر دون حساب، فإن الحق يوم القيامة سيظهر، وسيحاسب كل تقصير. عش في الله شاهدا للحق. القيامة رسالة حية تدعونا إلى النهوض من كل ما يثقل نفوسنا ويعمى أبصارنا، لنتخلى عن الخوف واليأس، ونسير في هدي النور. إنها دعوة إلى التجديد، والتوبة، والمغفرة، وإحياء المحبة في القلوب، والشهادة للحق الذي لا ينهزم. في عيد الفصح، نتذكر أن بعد كل ليل فجر، وبعد كل صليب، هو العيد الذي يعلمنا أن الرجاء أقوى من الألم، وأن الإيمان قادر على أن يجعل النهاية بداية جديدة. فلنحمل في قلوبنا نور القيامة وننشره بالفرح والسلام والمحبة والاستقامة. اليوم يواجه الجميع سؤال: هل أنتم شهود للقيامة أم شركاء في الموت؟ هل أنتم أدوات بيد الروح القدس لبناء مجتمع قائم على الحق والعدل والخير، أم أنكم أدوات لإدامة الظلم والقتل والانهيار؟ فالصمت لم يعد مقبولاً، والتبرير لا فائدة منه، والتصرفات على حساب الحق لا تغتفر، وليس وعوداً أو أوهاماً أو توبة عن كل خطيئة. نعم التوبة، لأن مشكلة عالمنا أخلاقية وروحية. الفساد والنفاق والجشع.. ليس عيبا في النظام، بل خطيئة في القلب، وإذا لم تعالج الخطيئة، لن يتم ترميم البنيان. التوبة لا تعني الضعف بل القوة. يعني الاعتراف بالخطأ، والعودة إلى الحق، وتغيير المسار، والامتناع عن تبرير الفشل ورمي الاتهامات. التوبة هي الوقوف أمام الله بصدق، ومن وقف أمام الله لا يستطيع أن يكذب. فماذا لو كان هذا هو الحال؟ فالظلم المنظم والممؤسسي والممارس باسم القانون أو الطائفة أو الحزب أو المصلحة، يجعل كل هذا يقع أمام نور القيامة، لأن النور لا يساوم ولا يساوم، بل يفضح ويكشف ويطهر. ويقول القديس أثناسيوس الكبير: “إن المسيح لم يأت ليصلح الإنسان، بل ليجدده”. المطلوب اليوم ليس الترقيع، بل التجديد، وليس الإصلاحات الشكلية، بل التحول الجذري، لأن ما بني على الخطأ لا يمكن أن يستمر، وما بني على النفاق لا يمكن إثباته. قال: ما حدث في لبنان. وفي السنوات الأخيرة، تعاقبت الأزمات والحروب والدمار، إضافة إلى انفجار تاريخي كارثي لم تكشف أسراره بعد، وانهيار اقتصادي، وانحطاط أخلاقي، وخسارة أموال الناس. وهذا ليس قدراً حتمياً، بل هو نتيجة خيارات خاطئة. ولا يمكن للكنيسة، الأم والمعلمة، أن تبقى صامتة أمام هذا الواقع، فنرفع صوتنا لنقول بوضوح: كفى حروباً ودماءً. كفى تلاعباً بمصير الشعب مجرد كيان سياسي، بل رسالة حضارة وتعددية ومحبة وانفتاح وعلم وثقافة… المسيح قام ليرفعنا، لكنه لا يرفع من لا يريد أن يقوم. لذلك، نأمل أن تفي الدولة بتعهداتها وتظهر مصداقيتها من خلال أفعالها. كما نأمل أن يلتف الشعب حول دولته ليكون موقفها أقوى. وأضاف: “عيد الفصح دعوة إلى التوبة، ليس بالقول بل بالعمل، والتوبة تعني تغيير الفكر والنهج وأولويات المسؤولية أمام الله كمرجع حي في كل قرار. مأساة عالمنا هي أن الإنسان يرزح تحت وطأة عبادة رغباته: الأنانية والجشع والظلم والكراهية والسيطرة على مصائر الإنسان. وهذا نتيجة الحروب التي نشهدها والتي تنتشر في جميع أنحاء عالمنا، ومنطقتنا تعاني أكثر من أي منطقة أخرى. أرض المسيح التي أشرق فيها نور القيامة، هي في خراب وألم، وشعبها مجروح ويئن، والطغاة لا يستمعون إلى لبنان، بلدنا الصغير والعدالة والسلام، ويموت يومياً بسبب خطايا قادته وأبنائه. إنسان اليوم يضحي بأخيه الإنسان لأنه أزال الله من قلبه، وبدأ يقتل الإنسان بسهولة، وجرده من قدسيته. لم تعرف البشرية عصرًا يُقتل فيه الإنسان مثل عصرنا. وأين المقاصد الإلهية التي يستطيع الإنسان المؤمن أن يحققها؟ إن لم يسكن الرب في القلب الذي تشغله روح الشر والحسد والغضب والشتيمة، فلا تترك فراغًا في قلوبكم. “دعونا نصلي من أجل التوبة الصادقة في هذا البلد، ومن أجل استنارة شعبه ومسؤوليه، حتى يفتحوا قلوبهم للنور فيصيروا أبناء النور وشهود القيامة، لا بالكلام بل بالحياة، لأن القيامة التي لا تترجم إلى حق وعدالة ومحبة وسلام تبقى غير كاملة. فلتكن قيامة المسيح محاكمة على الظلمة والشر فينا، ونورًا يرشدنا إلى طريق الحياة. ولنصلي أيضًا من أجل الحجر”. سينزع من قلوب اللبنانيين الذين طالما تمجدوا، ولا سيما الصامدين في قراهم، المقاومين الحقيقيين المتمسكين بأرضهم رغم المخاطر، الذين يرفعون علم وطنهم، والذين يطلبون حماية دولتهم وجيشهم، حفظهم الله وحمى لبنان، وأنعم عليه بالسلام والاستقرار والازدهار. المسيح قام، حقا قام.



