اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-16 00:16:00
حمدي عبد العزيز – نحو 26 ألف طفل أصبحوا يواجهون العنف الرقمي.. وهذا ما فعلته “كن حرا” – خبراء: الأطفال يتعلمون بالتقليد.. والشاشة تعلمهم العنف – العنف الرقمي يقلل التعاطف ويخلق شخصية عدوانية – تربويون يحذرون: المراهق يبحث عن قدوة فلا تتركوه للشاشة – قانونيون: التحريض على العنف الرقمي جريمة يعاقب عليها القانون – بحريني يسبق التصديق على الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات – أهمية الرقابة الأسرية على المحتوى وتشجيع المحتوى الممتع والآمن للأطفال – مبادرات محددة لتعزيز المراقبة الذاتية لدى المراهقين والاختيار الإيجابي. يكون الطفل الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره في حالة انغماس كامل في إحدى الألعاب الإلكترونية. يقاتل ويقتل ثم يحصد الأجر. كلما زاد عدد ضحاياه الافتراضيين، زادت حماسته وانفعاله، لأن القتل يعني أنك تستحق المكافأة. وكان هذا المشهد يدور أمام الجد الذي كان يتابع بصمت قبل أن يقرر التدخل: “ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟” أجاب الطفل دون تردد: «طيار»، وعلى هذا الخط الرفيع بنى الجد جسراً. هادئ، حتى انجذب الحفيد تدريجياً إلى الألعاب التي تحاكي تحليق الطائرات بدلاً من الحرب. ما قرأتموه للتو هو قصة صغيرة حدثت، وهي ليست استثناء، بل نموذج صغير لمعركة يومية يخوضها ملايين الآباء والأجداد والمربين في مواجهة ثقافة العنف التي تتسلل إلى البيوت عبر الشاشات. العنف سمة بارزة… والأطفال أكثر عرضة للتأثر. أكد تربويون وخبراء قانونيون أن استخدام العنف أصبح سمة بارزة في الدراما العربية والأجنبية وفيديوهات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، ما زاد من خطر التقليد لدى الأطفال والمراهقين. واضطرت بعض الحكومات إلى حظر بعض الألعاب بعد ظهور جرائم دموية مرتبطة بها. وخلصت العديد من الدراسات إلى أن تأثيرات مشاهدة المحتوى العنيف تتنوع بين المباشر، المتمثل بارتكاب مشاهد عنف صريحة، وغير المباشر، المتمثل في الإعجاب بشخصيات الأبطال الذين يقدمون القوة من خلال العنف. أفادت دراسات حديثة أن 60% من الأطفال واجهوا محتوى عنيفًا على منصات التواصل الاجتماعي، وأن 1 من كل 3 شاهدوا مقاطع فيديو تتضمن أسلحة. في حين ذكر صندوق دعم الشباب (2024) أن 70% من المراهقين تعرضوا لمحتوى عنيف واقعي على الإنترنت في عام 2023، وقال معهد تشايلد لايت (2025) إن حالات إساءة معاملة الأطفال التي سهلتها التكنولوجيا في الولايات المتحدة ارتفعت من 4700 في عام 2023 إلى 67000 في عام 2024. وما يجعل الأمر أكثر خطورة هو أن الأطفال يعيشون في مرحلة “التعلم عن طريق النمذجة”، أي التقليد، مما يجعلهم عرضة لما يرونه. وقد يعيدون تمثيلها في سلوكهم اليومي. أما المراهقون فهم في مرحلة بناء الهوية وتكوين القيم والبحث عن القدوة والانتماء، وقد يقدم لهم نفس المحتوى العنيف كرمز للقوة وتأكيد الذات. «كن حراً».. نحو 26 ألف طفل يواجهون الشاشة وأمام هذا الواقع، تعمل جمعية البحرين النسائية للتنمية الإنسانية “نماء” من خلال برنامجها “كن حرا”، بحسب مديرة المركز فضيلة حماد، على بناء شخصيات الأطفال وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على التفكير الإيجابي، ليكون لهم دور فاعل في مجتمعهم. ويتضمن البرنامج مشاريع متعددة منها: “ذكي وأكثر” لحماية الأطفال من مخاطر الأجهزة الذكية، مثل المحتوى العنيف والتنمر الإلكتروني، و”أنا طفل قوي وذكي وآمن” لتثقيفهم بمهارات الحماية من الاعتداء والسلوك السليم عند مواجهة المعتدين أو التعرض لمحتوى عنيف، بالإضافة إلى اللعبة التفاعلية “قوي وواثق” لتعليم مهارات مواجهة التنمر. كما أصدر البرنامج قصصاً توعوية للأطفال وأولياء الأمور، منها: «شجاعة ناصر»، و«سالم والألوان الذكية»، وكتاب تلوين بعنوان «أنا طفل محترم وذكي وقوي». «وجودي مصدر خير للآخرين»، و«لأنك هبة الخالق»، و«الطالب والمتنمر»، و«الاستخدام الذكي للأجهزة الذكية»، و«قل لا للتنمر الإلكتروني». وتكشف الأرقام حجم الأثر الذي حققه البرنامج منذ إطلاقه عام 2002 وحتى مارس 2026، إذ بلغ عدد الأطفال المستفيدين – بمن فيهم ذوي الإعاقة – 25,930 طفلاً، فيما استفاد من برامجه 8,567 مراهقاً و11,260 والداً، فيما تلقى 1,057 شخصاً تدريباً متخصصاً. العلوي: وتابع الحوار من المنيري استشاري الإرشاد النفسي والأسري الدكتور خالد العلوي أن المحتوى العنيف يؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية والشخصية الاجتماعية للأطفال والمراهقين، كما أنه يقلل من التعاطف ويديم السلوك العدواني. ويدعو في هذا السياق إلى البحث عن المحتوى الإيجابي، ومراقبة استخدام الأطفال للأجهزة، وإطلاق برامج تعليمية للأهالي والطلاب تنمي مهارات التفكير النقدي. وتجربته مع حفيده خير دليل على ذلك. وعندما رآه منغمسا في لعبة قتال تكافئه على كل قتل، لم يلجأ إلى الحظر أو التوبيخ، بل انتظر حتى انتهت الجلسة، ثم انطلق من حلم الطفل في أن يصبح طيارا ليتحول اهتمامه نحو الألعاب التي تحاكي الطيران بالطائرات، وانجذب إليها الحفيد تدريجيا مع الحفاظ على نفس الحماس والتحفيز. وشدد العلوي على أهمية الرقابة على المحتوى الإعلامي، وتشجيع المحتوى الممتع والآمن، ودعم برامج التوعية في المدارس، وسن قوانين تحمي الأطفال من المحتوى العنيف وتحقق الأمان الرقمي. ربيع: البحرين سبقت التشريع. وقبل أن يتصاعد الخطر على المستوى القانوني، يشير المحامي محمود ربيع إلى تصاعد الشكاوى بشأن المحتوى العنيف الذي يبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي والذي ينشر السلوك العنيف بين المشاهدين، خاصة الأحداث والقاصرين. ويؤكد أن قانون العقوبات البحريني يتضمن أحكاما رادعة تجرم أعمال العنف، ويعتبر التحريض شكلا من أشكال المشاركة الإجرامية، حيث يعتبر كل من حرض على ارتكابها شريكا في الجريمة، وترتكب بناء على تحريضه، ويعاقب بذات العقوبة المقررة لتلك الجريمة. ويشير ربيع إلى أن البحرين كانت أول من واجه هذه الظاهرة الإجرامية الحديثة، حيث صادقت في 23 يناير 2017 على الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات بالقانون رقم 2 لسنة 2017، وهي اتفاقية تلزم كل دولة طرف بتجريم جرائم تقنية المعلومات، بما في ذلك جرائم العنف والاستغلال الجنسي، وفقا لتشريعاتها الداخلية. كما نصت مادته الحادية والثلاثون على تبادل المجرمين بين الدول الأطراف. ويخلص ربيع إلى أن المحتوى العنيف، عندما يتضمن التحريض على الجريمة أو نشر الخوف والذعر في المجتمع، يشكل انتهاكا للأمن والاستقرار، ويتطلب المساءلة القانونية. وغيرها، فضلاً عن المشكلات السلوكية والنفسية التي تتمثل في ارتفاع مؤشر العدوانية والميل لاستخدام العنف في حل النزاعات. ويدعو إلى تضامن جميع الأطراف؛ ويجب على الأسرة توفير الرقابة وتنظيم ما تتم مشاهدته وتصفيته، وتوفير البدائل الهادفة، والحد من ساعات الشاشة، وخلق جو داعم قائم على الحوار والتوجيه والقوة الناعمة، وتعزيز القيم وترسيخ السلوكيات المقبولة اجتماعيا. وتنوه بأهمية دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في إطلاق مبادرات نوعية تعزز الرقابة الذاتية لدى المراهقين وتنمي لديهم الاختيار الإيجابي لما يشاهدونه، لضمان مجتمعات خالية من العنف وتتمتع بصحة نفسية متفوقة.


