اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-22 20:46:00
بعد تسع سنوات من خروج آخر قوافل النزوح من حي الوعر بمدينة حمص، عاد الأهالي هذا العام لإحياء الذكرى من داخل الحي نفسه، وليس من مخيمات النزوح أو مدن اللجوء كما في الأعوام السابقة. ومن بين المباني والشوارع المتعبة التي لا تزال تحمل آثار الحرب، بدا المشهد أقرب إلى مصالحة طويلة بين الناس والمكان، وليس مجرد حدث لتذكر النزوح. في باحة المسجد العمري، حيث بدأ التجمع بعد صلاة العصر، كان العائدون يتبادلون النظرات الثاقبة بالحنين.. رجال غابوا عن الحي منذ سنوات، ونساء يبحثن في الوجوه عن جيران قدامى، وأطفال يسمعون للمرة الأولى حكايات المكان الذي ولدت فيه ذكرياتهم قبل أن يعرفوه. لم تكن الكلمات عالية، ولم تكن الشعارات ساحقة. فقط التفاصيل الصغيرة كانت كافية لتذكر السنوات التسع الماضية. أسماء الغائبين والمنازل التي هُدمت، والطرق التي عبرتها الباصات الخضراء يوم طرد الأهالي قسراً من الوعر عام 2017، في إحدى أبرز محطات النزوح التي شهدتها مدينة حمص خلال سنوات الثورة السورية. ومن المسجد العمري، سار المشاركون بهدوء باتجاه مقبرة الشهداء. وهناك امتزجت الصلوات بالصمت الطويل. ووقف كثيرون أمام القبور وكأنهم يحاولون اختصار سنوات كاملة في لحظة واحدة. واكتفى آخرون بالنظر إلى الأسماء المنقوشة على شواهد القبور، فيما أعادت الأحاديث الجانبية قصص الحصار والقصف والأيام الأخيرة قبل الرحيل. يقول الدكتور عبد الحمد الحمود، أحد سكان الحي الذين عادوا إلى الوعر بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024، إن الذكرى هذا العام “تحمل معنى مختلفا تماما”. وأضاف: “منذ سنوات ونحن نحيي هذه الذكرى بعيداً عن مدينتنا، لكننا اليوم نقف هنا مرة أخرى.. صحيح أن الحرب خلفت جراحاً كبيرة، لكن مجرد عودة الناس إلى منازلهم يعطي شعوراً بأن هذه المدينة لم تهزم”. بالنسبة للعديد من أهالي الوعر، لم تعد العودة مجرد فكرة مؤجلة. خلال الأشهر الماضية، عاد إلى الحي نازحون وعائلات بأكملها، بعضهم وجد منازلهم متضررة، والبعض الآخر عاد ليبدأ من الصفر تقريباً، لكن كثيرين يقولون إن العودة بحد ذاتها كانت الحلم الذي أبقاهم متمسكين بالأمل طوال سنوات النزوح. وسار فيصل أبو عزام، الذي كان من بين آخر الذين غادروا الوعر عام 2017، خلال الحدث على نفس الطريق الذي غادره قبل تسع سنوات. ويقول إن المشهد لا يزال حاضرا في ذاكرته بكل تفاصيله الدقيقة. “كان الشبيحة منتشرين على طول الطريق يوم النزوح، وكنا نشاهد بحزن ونحن نخرج من منازلنا خلفنا”، يقول فيصل، قبل أن يتابع بصوت منخفض: “في تلك اللحظة شعرنا أننا نخسر كل شيء دفعة واحدة، لكننا اليوم نعود، وهذا في حد ذاته شيء لم نجرؤ على تخيله منذ سنوات”. ومع انتقال المشاركين إلى مدينة المعارض، حيث أقيم الحدث المركزي، بدا واضحاً أن الحديث لم يعد مقتصراً على استحضار الماضي فقط، بل أصبح يتجه تدريجياً نحو المستقبل. نحو المدارس التي يجب إعادة فتحها، والمحلات التجارية التي يحاول أصحابها ترميمها، والعائلات التي عادت لتزرع بعض الحياة في الشوارع التي ظلت صامتة منذ سنوات. وخلال الكلمات التي ألقيت في الحفل، استذكر الحضور أسماء المسعفين والأطباء والمتطوعين الذين بقوا إلى جانب الأهالي أثناء الحصار. كما تحدثوا عن من قتلوا أو غابوا خلال سنوات الحرب، في محاولة للحفاظ على ذاكرة جماعية يخشى الكثيرون أن يبتلعها النسيان. لكن، وعلى الرغم من ثقل الذكرى، بدا أن ما سيطر على وجوه العائدين اليوم لم يكن الحزن وحده، بل الرغبة الواضحة في استعادة الحياة الطبيعية، ولو ببطء. يقول الدكتور الحمود: “لا أحد يستطيع أن يمحو ما حدث، لكن الناس سئموا الموت والغياب. اليوم هناك جيل كامل يريد أن يبني، أو يفتح محلاً، أو مدرسة، أو مشروعاً صغيراً، ويشعر أخيراً أن له مستقبل في هذه المدينة… سقوط الأسد أعاد لنا الحياة”. ورغم انتهاء الحدث، إلا أن الذاكرة المحملة بالقروح والجراح لدى معظم السكان جعلت العديد من شباب الحي يلتقطون الصور مع المباني المهدمة والشوارع المهترئة، ولعل حلمهم بإعادة الإعمار سيتحقق رغم الإمكانات الحكومية المتواضعة التي لم تتمكن من تحسين واقع الحي بعد مرور ما يقرب من عام وبضعة أشهر على سقوط النظام. لكن رغم الواقع الصعب، فإن الأمل لا يفارق أبو عزام، الذي أكد لمراسلنا في ختام حديثه أن هذه المدينة، رغم كل ما مرت به، لا تزال قادرة على البدء من جديد.




