اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-01 13:03:00
مع انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، ورغم الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، إلا أن التصعيد الإسرائيلي في الجنوب مستمر بشكل غير مسبوق، وعشية الجولة الثانية من المفاوضات، تبقى الأنظار على الاقتصاد اللبناني وإمكانية تعافيه، فيما يطرح السؤال الأهم: كم من الوقت نحتاج حتى ينتعش الاقتصاد؟ ما هو المطلوب لتحقيق ذلك؟ وفي هذا السياق، يرى كاتب الاقتصاد السياسي الدكتور بيار الخوري، في حديث لإذاعة صوت بيروت الدولية، أن التعافي ممكن، لكنه ليس سريعا، ويقاس بقدرة الدولة على استعادة الحد الأدنى من الوظائف الاقتصادية قبل أي حديث عن نمو فعلي. وفي حالة لبنان، يشير الخوري إلى أنه بعد وقف إطلاق النار، في حال تنفيذه، فإن الحد الأدنى من الوقت لوقف التدهور يتراوح بين ستة أشهر وسنتين، مع استقرار الإيقاع الاقتصادي وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، كالكهرباء والاتصالات. وأشار إلى أن الانتقال إلى مرحلة التعافي الحقيقي يحتاج من ثلاث إلى خمس سنوات إذا رافق الاستقرار الأمني قرارات مالية ومؤسساتية حاسمة. أما التعافي الكامل والوصول إلى اقتصاد قادر على النمو المستدام، فيتطلب، بحسب الخوري، ما لا يقل عن سبع إلى عشر سنوات، لأن البنية الإنتاجية الحالية ضعيفة، والاقتصاد فقد عمقه التمويلي. واعتبر أن وقف إطلاق النار في حد ذاته لا يشكل ضمانة للاستقرار، بل يمثل حالة تعليق الصراع أكثر من كونه تسوية له. إن غياب أفق سياسي واضح أو إطار دائم لضبط التوترات يجعل البيئة الاقتصادية عرضة للصدمات المفاجئة. ويقول الخوري: «إن هذا النوع من عدم الاستقرار يدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى السلوك الدفاعي، حيث يتم تأجيل الاستثمار طويل الأمد، ويفضل الاحتفاظ بالسيولة أو تحويلها إلى الخارج». ونتيجة لذلك، يبقى النشاط الاقتصادي عند أدنى مستوياته حتى مع توقف العمليات العسكرية، ويتحول أي تحسن إلى مكاسب قصيرة المدى يمكن أن تتبخر مع أول بادرة توتر. وعن توقعاته لسعر الصرف، قال الخوري: “إن سعر الصرف نفسه لم يعد مركز الأزمة كما كان في السنوات الأولى، إذ شهد استقراراً نسبياً منذ عام 2023 ضمن نطاق ضيق، وهذا الاستقرار هو نتيجة التوازن المؤقت بين تدفقات العملة الصعبة من الخارج وانكماش الطلب الداخلي، أكثر من كونه نتيجة نظام نقدي متماسك أو قدرة إنتاجية”. واعتبر أن أهمية هذا الاستقرار تكمن في أنه خفف من الصدمات اليومية وأتاح الحد الأدنى من التسعير المتوقع، لكنه لا يمثل استقراراً بنيوياً يمكن البناء عليه وحده. وأكد أن أي تغيير في حجم التدفقات أو في مستوى الاستهلاك سيعيد الضغط بسرعة، لذا فإن دوره في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار هو توفير أرضية أقل استقرارا، وليس معالجة جوهر الأزمة. ورأى الخوري أن المشكلة ليست في التدمير المادي فقط، بل في انهيار الثقة، وهذا لا يبنى بالتصريحات، بل بأفعال قابلة للقياس. وأضاف أن أي مسار للتعافي يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقطاع المالي، لأن النظام المصرفي بشكله الحالي غير قادر على لعب دور الوسيط. وأوضح أن إعادة الهيكلة المصرفية تصبح نقطة محورية أساسية، مع توزيع واضح للخسائر بدلاً من ترحيلها. وبدون ذلك فإن أي تدفق للأموال الأجنبية سيتحول إلى استهلاك مؤقت وليس إلى استثمار إنتاجي. يقول الخوري: «السياسة الاقتصادية تحتاج إلى إطار متماسك يعيد للدولة وظيفتها كجهة رقابية وليس كمصدر للاضطراب». فالاستقرار النقدي القائم يجب أن يكون مدعوماً بانضباط مالي فعلي، لأن تمويل العجز سيؤدي إلى إنتاج الاختلالات. وأضاف أن المالية العامة تحتاج إلى إعادة ضبط عميقة، بما في ذلك تقليل الهدر، وتحسين الجبايات، وإعادة توجيه الإنفاق نحو البنية التحتية والخدمات التي لها تأثير مباشر على الإنتاج. وأكد أن الاقتصاد لا ينتعش من خلال القروض فقط، بل من خلال إعادة تشغيل محركاته، لافتاً إلى أن القطاعات المعرضة للانتعاش السريع في لبنان هي الخدمات المرتبطة بالاغتراب، والسياحة إذا استمر الاستقرار، وبعض الأنشطة التكنولوجية الخفيفة. وتتطلب الصناعة والزراعة وقتا أطول، لأنها تعتمد على التمويل الطويل الأجل والاستقرار في تكاليف الطاقة. وأشار إلى أن أي مسار واقعي سيبدأ بتعافي غير متوازن قبل أن يتوسع تدريجيا. وأشار الخوري إلى أن الدور الخارجي حاسم لكنه مشروط، إذ أن أي دعم دولي سيبقى محدودا إذا لم يرافقه إصلاحات واضحة وقابلة للتحقق. فالمؤسسات الدولية لا تضخ الأموال في بيئة غير مستقرة مؤسسيا. ومن ناحية أخرى، رأى أن التحويلات المالية من الخارج يمكن أن تشكل شبكة أمان مؤقتة، لكنها لا تبني اقتصادا. وختم الخوري بالقول: “تبقى المخاطر الأساسية داخلية أكثر منها خارجية. عودة التوتر الأمني تعيد الاقتصاد إلى نقطة الصفر، والفساد يعطل أي تدفق استثماري، وغياب القرار السياسي يؤخر كل شيء، حتى لو توفر التمويل”. كما أشار إلى أن استمرار فقدان الثقة بالعملة الوطنية يؤدي إلى تعمق الدولرة مما يحد من قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد. وأشار إلى أن التجارب المقارنة تظهر أن الدول التي تعافت سريعا فعلت ذلك من خلال صدمة إصلاحية واضحة وليست تدريجية، مثل رواندا التي سرعان ما أعادت بناء مؤسساتها بانضباط صارم، بينما تعثرت البوسنة بسبب التعقيد السياسي، وكان العراق يمتلك موارد كبيرة لكنه عانى من ضعف الإدارة. وشدد على أن الدرس العملي هو أن الموارد وحدها لا تكفي، وأن الحكم هو العامل الحاسم. ورأى أن الوقت الواقعي للتقدم في لبنان لا يقل عن خمس سنوات لرؤية نتائج ملموسة، ولا يقل عن عشر سنوات لبناء اقتصاد مستقر. وشدد على أن البداية الفعلية تحددها خمس خطوات لا تحتمل التأجيل: إعادة هيكلة الجهاز المصرفي بطريقة شفافة. إرساء الاستقرار النقدي القائم ضمن إطار مؤسسي واضح بدلاً من الاعتماد على التوازنات المؤقتة. – إقرار موازنة منضبطة تقلل العجز. إطلاق برنامج إعادة الإعمار الذي يركز على البنية التحتية الإنتاجية. فرض قواعد الحوكمة التي تقلل من الهدر وتستعيد الحد الأدنى من الثقة. وختم بالقول: “بدون هذه الخطوات يبقى أي حديث عن التعافي وصفا نظريا”.


