اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-05 21:25:00
بقلم فهيم بوكدوس تحيي مدينة الرديف غدا السبت 6 يونيو ذكرى سقوط أول شهداء الرصاص الحي في انتفاضة الحوض المنجمي 2008. وهي مناسبة تستذكر فيها المنطقة تضحيات شعبها الذي واجه القمع دفاعاً عن الحق في العمل والكرامة والعدالة الاجتماعية. ويعد هذا اليوم حدثا راسخا في الذاكرة الجماعية لأبناء الحوض المنجمي، حيث سقط الشهيد الحفناوي المغزاوي برصاص الأمن في 6 يونيو 2008، قبل أن يلتحق به عبد الخالق العميدي متأثرا بإصاباته الخطيرة نتيجة الأحداث نفسها. ولا يقتصر إحياء هذه الذكرى على استذكار أسماء الشهداء أو سرد وقائع الماضي، بل يمثل فرصة للتأمل في المعاني العميقة التي حملتها انتفاضة الحوض المنجمي والدروس التي لا تزال تقدمها لتونس حتى اليوم. واندلعت الاحتجاجات في يناير/كانون الثاني 2008 على خلفية ما اعتبره الشعب فسادا ومحاباة في مناظرات ولاية شركة فسفاط قفصة، لكنها سرعان ما تحولت إلى حراك اجتماعي واسع عبر عن تراكم طويل من التهميش والإقصاء والبطالة وانعدام العدالة في توزيع الثروات. كشفت تلك الانتفاضة، قبل سنوات من سقوط نظام بن علي، أن الأزمة في تونس لم تكن سياسية فحسب، بل كانت في جوهرها أزمة تنموية واجتماعية. ومن قلب منطقة تنتج جزءاً مهماً من الثروة الوطنية، ارتفعت الأصوات المطالبة بالحقوق الأساسية: العمل والتنمية والكرامة. وكان ذلك بمثابة عودة «القضية الاجتماعية» إلى واجهة النضال الوطني بعد سنوات من التعتيم والقمع. ومن أهم الدروس التي قدمتها انتفاضة الحوض المنجمي أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليست مطالب قطاعية أو فئوية معزولة، بل هي جوهر الاستقرار السياسي والديمقراطي. وقد أثبتت التجربة أن الحرية السياسية تفقد جزءاً كبيراً من معناها عندما يعجز المواطن عن إيجاد فرصة عمل، أو عندما يشعر أن منطق الولاءات والمحسوبيات يتقدم على مبدأ تكافؤ الحقوق والفرص. كما أظهرت الانتفاضة أن أي مشروع تغيير سياسي لا يمكن أن ينجح أو يستمر إذا لم يضع العدالة الاجتماعية في قلب أولوياته. تؤكد التجارب التاريخية أن الشعوب لا تطالب بحرية التعبير أو تداول السلطة فحسب، بل تطالب أيضا بالحق في حياة كريمة، والتوزيع العادل للثروات، والتنمية الشاملة للجميع. وعندما يتم التعامل مع المطالب الاجتماعية باعتبارها قضايا ثانوية أو مؤجلة، فإن أسباب التوتر تبقى قائمة، مهما كانت طبيعة التحولات السياسية. اليوم، بعد ثمانية عشر عاما من الانتفاضة وأكثر من خمسة عشر عاما من الثورة، لا تزال الأسئلة التي تطرحها جماهير الحوض المنجمي تطرح بإلحاح: ما الذي تم تحقيقه في مجال التنمية الجهوية؟ إلى أي مدى انخفضت معدلات البطالة وعدم المساواة بين المناطق؟ كيف يمكن تحويل الموارد الطبيعية إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية؟ وهي أسئلة لا تخص الحوض المنجمي وحده، بل تتعلق بمستقبل النموذج التنموي في تونس ككل. إن استذكار شهداء الرديف يعد أيضًا دفاعًا عن الذاكرة الوطنية في بعدها الاجتماعي. لم تكن انتفاضة الحوض التعديني حدثا محليا معزولا، بل شكلت إحدى أهم المقدمات التي مهدت لثورة الحرية والكرامة، وساهمت في كسر حاجز الخوف وكشف طبيعة السياسات التي أنتجت التهميش والتوتر. ولذلك، فإن مكانتها في التاريخ التونسي تنبع من أنها ربطت النضال من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالنضال من أجل الحرية والديمقراطية. في يوم الشهيد، نتذكر أن الولاء للحفناوي المغزاوي وعبد الخالق العميدي ولكل مناضلي الحوض المنجمي لا يقتصر فقط على تذكر تضحياتهم، بل أيضا بمواصلة الدفاع عن القيم التي ناضلوا من أجلها: العدالة والمساواة وحق العمل والتنمية العادلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي استهدفت المتظاهرين السلميين. إن ذاكرة الحوض التعديني ليست مجرد ذكرى الماضي، بل هي رسالة إلى الحاضر والمستقبل: لا ديمقراطية دون عدالة اجتماعية، ولا استقرار دائم دون عدالة للفئات المهمشة، ولا معنى لأي تغيير سياسي إذا لم ينعكس على حياة المواطنين وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. المجد والخلود لشهداء الحوض المنجمي. ولا يوجد حل وسط بشأن الحقيقة والمساءلة. شهداء الحوض المنجمي هم شهداء الثورة والعدالة الاجتماعية. *FP، المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين



