اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-17 00:28:00
وفي السياسة الإسرائيلية، لا يسقط القادة بسبب الهزائم العسكرية فحسب، بل بسبب انهيار السرد الذي بنوا عليه شرعيتهم. وعندما تبدأ قطاعات من المجتمع الإسرائيلي في التشكيك في جدوى الحروب المفتوحة وتكلفة المغامرات الأمنية، تنتقل الأزمة من مستوى الأداء الحكومي إلى مستوى الشرعية السياسية نفسها. إن المنشورات المتداولة في بعض الأوساط الإسرائيلية والتي تصف بنيامين نتنياهو بالمجنون وتحمله مسؤولية اتساع دوائر المواجهة ليست مجرد عواطف عابرة. وهي مؤشر على تزايد الصدع داخل البنية الاجتماعية والسياسية الإسرائيلية. فالدولة التي قدمت نفسها على مدى عقود نموذجاً للردع والقوة تجد نفسها اليوم أمام سلسلة من الجبهات المفتوحة وإرهاق إنساني واقتصادي ونفسي غير مسبوق. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان نتنياهو يواجه أزمة سياسية كما أصبح الأمر واضحا. وبالفعل، هل يمكن أن تكون نهاية نتنياهو مشابهة لنهاية إسحق رابين؟ من الناحية التاريخية، تبدو المقارنة مغرية، لكنها ليست متطابقة. وسقط رابين ضحية اغتيال سياسي نفذه متطرف يهودي رأى في عملية الاستيطان خيانة للمشروع الصهيوني. أما نتنياهو فهو يواجه خطراً من نوع آخر. إن خطر التفكك التدريجي للتحالف الاجتماعي هو الذي أوصله إلى السلطة، أي أن التهديد لا يأتي من فرد يحمل سلاحاً، بل من كتلة متنامية ترى في الرجل أصبح عبئاً على الدولة نفسها. والمفارقة هي أن الرجل الذي بنى مجده السياسي على خطاب الأمن القومي، متهم اليوم بتقويض الأمن القومي. وهذا من أقسى التحولات التي يمكن أن يتعرض لها أي زعيم سياسي. وعندما تتآكل صورة القائد الحامي وتتحول إلى صورة القائد المغامر، تبدأ عملية التراجع الاستراتيجي. لسنوات عديدة، اعتمد نتنياهو على ما يسميه علماء السياسة الغربيون الإدارة الدائمة للأزمات، أي تحويل حالة الطوارئ إلى أداة مستمرة للحكم. قامت الفكرة على إقناع المجتمع بأن بقاء التهديد الخارجي يتطلب بقاء القيادة نفسها، لكن هذه المعادلة لا تنجح إلا عندما تكون تكلفة الأزمات أقل من تكلفة التغيير، ولكن عندما تصبح الأزمات نفسها مصدر الخطر، تنقلب المعادلة ضد صاحبها. والأخطر من ذلك أن الحرب الحالية كشفت هشاشة ما عرف ببوتقة الانصهار الإسرائيلية، وهو المفهوم الذي قام على دمج المهاجرين والحركات المختلفة في هوية وطنية موحدة. واليوم، تظهر الانقسامات بشكل أكثر حدة بين العلمانيين والمتدينين، وبين الأشكناز والشرقيين، وبين اليمين القومي والحركات الليبرالية، وبين المركز والأطراف. وهذه ليست خلافات عابرة، بل انقسامات بنيوية تمس العقد الاجتماعي نفسه. ولذلك فإن الحديث عن نتنياهو لم يعد مقتصراً على شخصه، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول طبيعة الدولة ومستقبلها. ويسمى هذا الوضع في الأدب الغربي بأزمة التلاحم الوطني. إنها المرحلة التي تفقد فيها النخب السياسية قدرتها على إنتاج التوافق الشامل. وكلما طال أمد الحروب واتسعت دوائر الخسائر، كلما زادت احتمالية انتقال الانقسام من المجال السياسي إلى المجال المجتمعي. لقد حاول نتنياهو دائما إدارة هذه التناقضات من خلال خلق عدو خارجي دائم، لكن المشكلة هي أن تعدد الجبهات لا يؤدي بالضرورة إلى توحيد المجتمع. بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية عندما يشعر المواطن أن الدولة فقدت قدرتها على تحديد أهداف واضحة للحرب أو رسم مخرج سياسي لها. وهنا تظهر المقارنة مع رابين بطريقة مختلفة. لقد اغتيل رابين لأن قسماً من المجتمع الإسرائيلي اعتبره متساهلاً أكثر مما ينبغي، في حين قد يغادر نتنياهو المشهد لأن قسماً متزايداً من المجتمع يعتبره صارماً أكثر مما ينبغي، أو مغامراً أكثر مما ينبغي، أو غير قادر على تحويل القوة العسكرية إلى إنجاز سياسي. وفي هذا تكمن المفارقة الكبرى. لقد واجه كلا الرجلين تمردا داخل المعسكر الإسرائيلي نفسه، ولكن من اتجاهين متعاكسين. واللافت أيضًا أن المؤسسة الأمنية، التي شكلت تاريخيًا العمود الفقري للدولة، بدأت تشهد سجالات حادة حول إدارة الصراع وحول حدود القوة العسكرية، وعندما تتسع الفجوة بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية، فإن ذلك يمثل أحد المؤشرات الكلاسيكية لبداية مرحلة ما بعد القائد. لكن الحديث عن رحيل نتنياهو لا يعني بالضرورة نهاية الحركة التي يمثلها، فالتحولات التي أدت إلى صعود اليمين الإسرائيلي لا تزال قائمة، لكن سقوط الزعيم غالبا ما يكون محاولة من النظام لإعادة إنتاج نفسه من خلال تحميل شخص واحد مسؤولية الإخفاقات المتراكمة. لذلك قد يكون نتنياهو أمام معضلة تاريخية. إذا استمرت الحروب ستتسع دائرة الغضب الداخلي، وإذا توقفت دون تحقيق أهداف حاسمة سيواجه اتهامات بالفشل، وبين هذين المسارين سيتآكل الفضاء السياسي الذي عمل فيه لعقود. ولذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان نتنياهو سيغادر بنفس الطريقة التي غادر بها رابين، فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيا. بل السؤال الأهم هو ما إذا كانت إسرائيل تدخل مرحلة مماثلة من الصراع الداخلي العميق الذي يجعل بقاء أي زعيم في غاية الصعوبة. وعندما تصل المجتمعات إلى نقطة حيث تفقد الثقة في السرد المؤسس للدولة، فإن الأزمة تتجاوز الأفراد، وعندئذ يصبح سقوط الزعماء مجرد عَرَض من أعراض أزمة أكبر. ولعل هذه هي اللحظة التي تقترب منها إسرائيل اليوم، إذ لم يعد الجدل يدور حول نتنياهو وحده، بل حول مستقبل المشروع الذي يدعي أنه يمثله ككل.


