اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-19 21:20:00
أحمد إبراهيم أبو شوك تأسس مجلس السيادة السوداني الأول (1956-1958) على غرار اللجنة الخماسية التي تشكلت عام 1954 لمساعدة الحاكم العام للسودان البريطاني خلال الفترة الانتقالية. عشية الاستقلال، طُرحت فكرة اختيار لجنة خماسية، على شكل هيئة مؤقتة تمهد لانتخاب رئيس لجمهورية السودان. لكن هذه الصيغة المؤقتة تحولت فيما بعد إلى مجلس سيادي دائم خلال الفترات الانتقالية والتحولات الديمقراطية، يقوم على توازنات سياسية كان قطباها الأساسيان: الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة. واعتمدت رئاسة المجلس بنسختيها الأولى والثانية على مبدأ التناوب الشهري على الرئاسة، وهو ما حقق توافقا بين أعضاء المجلس والكتل السياسية، لكن اعتبارا من يوليو/تموز 1965، أصبحت رئاسة المجلس رئاسة دائمة، في إطار تسوية سياسية، هدفها تقاسم السلطة بين الحزبين الرئيسيين. وأصبح إسماعيل الأزهري الرئيس الدائم لمجلس السيادة، فيما تولى محمد أحمد محجوب رئاسة مجلس الوزراء ممثلا عن حزب الأمة. لكن هذه الازدواجية سرعان ما أنتجت توتراً سياسياً وصراعاً خفياً ومعلناً بين الطرفين، رغم أن الدستور أوضح صلاحيات رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء. والدليل على ذلك أن سبعة وزراء من الحزب الوطني الاتحادي قدموا في 20 أكتوبر 1965 استقالتهم من الحكومة الائتلافية بين حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي احتجاجا على قرار تعيين رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب على رأس الوفد السوداني إلى القمة الأفريقية بدلا من رئيس مجلس السيادة إسماعيل الأزهري. وبعد ثورة ديسمبر 2018-2019، ارتفع عدد أعضاء مجلس السيادة إلى أحد عشر عضوا، ثم ارتفع إلى أربعة عشر عضوا بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام عام 2020. كما شهد المجلس لأول مرة تمثيلا نسائيا كبيرا مع ضم عضوتين إلى عضويته، قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021. إلا أن هذا التوسع في عضوية المجلس يثير تساؤلات مشروعة حول جدواه الوظيفية والمؤسساتية المبررات. فهل السودان حقا بحاجة لهذا العدد الكبير من أعضاء مجلس السيادة؟ وما القيمة المضافة التي يقدمها هؤلاء الأعضاء في إدارة شؤون الدولة؟ والأهم من ذلك، ما هي الصلاحيات الدستورية والتنفيذية المحددة التي تبرر هذا التوسع؟ تكتسب هذه الأسئلة أهميتها من أن العديد من مهام أعضاء المجلس تبدو متداخلة مع اختصاصات السلطة التنفيذية ومؤسساتها المختلفة، الأمر الذي قد يؤدي إلى خلق حالة من الازدواجية في اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات، فضلاً عن زيادة الأعباء المالية والإدارية على الدولة. ولذلك فإن القضية الأساسية لا تتعلق بعدد الأعضاء أو الكيانات التي يمثلونها، بل بمدى وضوح الدور الوظيفي لمجلس السيادة نفسه، ومدى مساهمته الفعلية في تعزيز كفاءة مؤسسات الحكم وتحقيق الاستقرار السياسي. إشكاليات التشكيل وغياب الرؤية يثير الجدل المتكرر حول تشكيل مجلس السيادة في السودان سؤالا أهم من الجدل الدائر حول أسماء الأعضاء أو التوزيع الجغرافي والجهوي للمقاعد، وهو: ما هي الحاجة الفعلية لوجود مجلس السيادة في هيكل الدولة السودانية؟ وما هي المهام الدستورية والسيادية التي يقوم بها هذا المجلس والتي تبرر استمراره وتكاليفه الإدارية والمالية؟ وكثيراً ما يتحول النقاش العام إلى قضايا المحاصصة السياسية وتمثيل الأقاليم والولايات، في حين يغيب السؤال الأساسي المتعلق بطبيعة المؤسسة نفسها ودورها في بنية الحكم. عادة ما يتم إنشاء المؤسسات السيادية في الأنظمة السياسية الحديثة للقيام بمهام محددة تتعلق برئاسة الدولة، أو الحفاظ على التوازن بين السلطات، أو الإشراف على قضايا السيادة الوطنية الكبرى، وليس لمتابعة الشؤون التنفيذية اليومية التي تقع ضمن اختصاص الوزارات والأجهزة الإدارية المحلية. ومن هذا المنطلق فإن بعض الممارسات المعلنة إعلامياً تثير تساؤلات مشروعة حول حدود اختصاص مجلس السيادة. وعندما تتناقل الأخبار أن أحد أعضاء المجلس ناقش مع مسؤولي هيئة الكهرباء مشكلة انقطاع التيار الكهربائي في مدينة بورتسودان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هل هذه القضايا تقع ضمن المهام السيادية العليا للدولة، أم أنها ضمن اختصاص السلطة التنفيذية ممثلة بالوزارة المعنية أو السلطات المحلية والإدارية. إن معالجة المشاكل الخدمية اليومية، مهما بلغت أهميتها، عادة ما تعتبر جزءا من العمل التنفيذي والإداري، وليس العمل السيادي الذي من المفترض أن يركز على القضايا الاستراتيجية الكبرى. وتؤدي هذه الملاحظة إلى مشكلة أوسع تتعلق بمدى وضوح الصلاحيات والاختصاصات المنوطة بمجلس السيادة. وإذا لم تكن هناك مهام دستورية محددة تختلف عن مهام مجلس الوزراء والوزارات والأجهزة التنفيذية، فإن وجود المجلس قد يتحول إلى مؤسسة رمزية تفتقر إلى وظيفة عملية واضحة، أو إلى إطار لاستيعاب التوازنات السياسية والاسترضاء النخبوي، مع ما يترتب على ذلك من أعباء مالية وإدارية تتحملها الدولة في ظل أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة. لذا فإن المراجعة الجادة لمؤسسة مجلس السيادة يجب أن تبدأ بالإجابة على أسئلة جوهرية: ما هو مجلس السيادة؟ وما هي الضرورة الدستورية والسياسية لوجودها؟ ما هي الوظائف التي لا يمكن أن تؤديها المؤسسات الأخرى في الدولة؟ وكيف تساهم في تعزيز كفاءة الحكم واستقرار النظام السياسي؟ الإجابة على هذه الأسئلة أهم من الخوض في تفاصيل تشكيل المجلس أو عدد أعضائه، لأن أي مؤسسة سياسية لا تستمد شرعيتها من الأشخاص الذين يشغلونها، بل من الوظيفة العامة التي تؤديها ومدى مساهمتها في تحقيق المصلحة الوطنية.ahmedabushouk62@hotmail.com الكاتب




