اخبار ليبيا اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار ليبيا- اخبار ليبيا الان
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-26 01:00:00
وقال فيصل بو الريقة، الباحث المتخصص في الأمن القومي، إن تحركات أجهزة المخابرات في الملف الليبي تعكس انتقاله من مرحلة المبادرات السياسية التقليدية إلى مرحلة أكثر تعقيدا مرتبطة بـ”الضمانات الأمنية وتقاسم السلطة وترتيبات ما بعد التسوية”. وأوضح بو رقيقة، خلال مداخلة على قناة الوسط، أن هذا التحول مرتبط بطبيعة التوجه الأميركي الحالي الذي يعتمد على منظومة مستشارين مرتبطة مباشرة بالرئيس الأميركي، في إطار الحد من البيروقراطية داخل وزارة الخارجية وربط مراكز القرار التنفيذي مباشرة بالبيت الأبيض. وأشار إلى أن تعيين مستشارين مثل ستيف ويتكوف، وتوم باراك، ومسعد بولس، يعكس اعتماد الإدارة الأمريكية على القنوات المباشرة لتجاوز الهيكل التقليدي لوزارة الخارجية، والاعتماد بدلا من ذلك على ما وصفها بـ”قنوات الأمن القومي والاستخبارات”. وأضاف أن هذا التوجه يرتكز على وثائق الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية الصادرة عن مؤسسات صنع القرار الأميركية، والتي بحسب قوله تحدد توجهات البلاد خلال المرحلة المقبلة، بمشاركة مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع وأجهزة المخابرات ومراكز التفكير الاستراتيجي. وأكد أن تحركات أجهزة المخابرات في هذا السياق لا يمكن أن تقرأ بمعزل عن هذا الإطار، موضحا أن رجال المخابرات في مثل هذه الملفات يمثلون مبعوثين خاصين للأمن القومي، ويتعاملون مع الدول من منظور استراتيجي شامل يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية. واعتبر بو الرققة أن اجتماع القاهرة الأخير يعكس هذا التوجه، حيث تم عرض الرؤى والمبادرات الأمريكية على عدد من الدول الإقليمية المؤثرة، من بينها مصر وتركيا والسعودية، بهدف إشراكها في صياغة ملامح أي تسوية مستقبلية في ليبيا. وأضاف أن الملف الليبي يعاني من مشكلة جوهرية تتعلق بغياب الدولة الموحدة والسياسة الخارجية الواحدة، في ظل وجود انقسام مؤسسي بين حكومات وهيئات سياسية متعددة، وهو ما ينعكس في ضعف القدرة التفاوضية الليبية في هذه المسارات الدولية. وأشار إلى أن هذا الواقع أدى إلى الانتقال العملي لإدارة الملف إلى المستوى الاستخباراتي، خاصة في ظل تراجع دور المؤسسات الدبلوماسية الليبية وتعدد مراكز صنع القرار داخل البلاد. وأشار إلى أن أجهزة المخابرات الأجنبية المشاركة في الملف الليبي مسؤولة بشكل مباشر أمام حكوماتها، وتعمل ضمن خرائط واضحة للمصالح الوطنية، على عكس الجانب الليبي الذي، على حد تعبيره، ليس لديه رؤية موحدة أو أجندة تفاوضية واضحة. وضرب بو الريقة مثالا على الاجتماعات الأمنية السابقة في طرابلس، حيث ظهرت الفجوة بين الوفود الأجنبية المنظمة والمؤسسات الليبية، التي وصفها بأنها تعمل دون أدوات استراتيجية متكاملة لإدارة المفاوضات. كما أشار إلى أن بعض الدول، من بينها تركيا وإيطاليا ومصر، بالإضافة إلى أطراف دولية أخرى، تتحرك وفق قراءات مختلفة للمشهد الليبي بهدف تثبيت مصالحها قبل التوصل إلى أي تسوية نهائية. وأوضح أن الولايات المتحدة تدير هذا الملف بعقل الدولة، من خلال إشراك أطراف دولية مختلفة عبر اجتماعات متعددة، سواء في باريس أو روما أو غيرها، بهدف توزيع الأدوار وتقليل تكلفة اتخاذ القرار منفردا. وأكد أن كافة الأطراف الدولية تسعى إلى ضمان موقفها ضمن أي تسوية مقبلة، فيما يظل التحدي الرئيسي مرتبطا بقدرة الليبيين أنفسهم على صياغة رؤية وطنية موحدة قادرة على التفاعل مع هذه التوازنات الدولية المعقدة. وقال: الحديث عن إعادة توحيد ليبيا عبر المسارات الدولية، بما فيها واشنطن، يطرح مشكلة جوهرية تتمثل في غياب التوافق الليبي الداخلي على شكل السلطة المقبلة، وعدم وجود أساس دستوري أو مسار انتخابي واضح حتى الآن. وأوضح أن الهيئات السياسية الموجودة حاليا في إدارة المشهد الليبي، حسب وصفه، لم تعد فعالة بالشكل المطلوب، لافتا إلى أنها ابتعدت عن مسؤولياتها الوطنية ولم تنجح في القيام بالدور المنوط بها، وهو ما ساهم في تعقيد الأزمة وامتدادها. وأضاف أن بعض هذه الجهات حاولت عبر التصريحات والمواقف السياسية عرقلة المبادرة الأميركية المقترحة، في إشارة إلى البيان الثلاثي الأخير الذي اعتبره محاولة لفرض مسار قانوني ودستوري مختلف عن المسار الذي اتبعته الأطراف الدولية. وأشار إلى أن هذه التحركات تزامنت مع دعم سياسي من أطراف إقليمية في إطار سعي كل طرف لإعادة صياغة موقفه داخل المشهد الليبي ومنحه غطاء مشروعا في المحافل الدولية. وأشار إلى أن الخطاب السياسي الحالي للهيئات الليبية يركز على مفاهيم مثل الحكم والانتخابات والسيادة، لكن هذه المصطلحات، على حد تعبيره، تستخدم في سياق مخاطبة المجتمع الدولي ومجلس الأمن أكثر من أنها تعكس واقعا عمليا يمكن تنفيذه على الأرض. وأوضح أن الولايات المتحدة تتحرك وفق نهج واقعي يعتمد على إدارة موازين القوى الفعلية وليس على تصورات نظرية، مبينا أن المبادرات المطروحة تعكس هذا التوجه القائم على إعادة ترتيب القوى وفق الواقع الميداني. وفي هذا السياق، تحدث بو رقيقة عن مسار توحيد المؤسسة العسكرية، وربط ذلك بالتحركات الميدانية في عدة مناطق، من بينها مدينة سرت، التي اعتبرت منطقة ذات طابع خاص في المعادلات الأمنية والعسكرية، سواء كمجال محتمل للتنسيق أو كمنطقة عازلة في بعض السيناريوهات المطروحة. وأضاف أن هناك رؤية دولية، تقودها الولايات المتحدة ضمنا، تقوم على دمج الاعتبارات الأمنية مع مفاهيم مكافحة الإرهاب، بهدف تجاوز الخلافات السياسية الداخلية وإعادة تنظيم المشهد العسكري في البلاد. وأشار إلى أن المسارات السياسية المطروحة حاليا تنقسم بين عدة ملفات، منها ملف توحيد المؤسسة العسكرية، وملف القوانين الانتخابية، وملف تشكيل السلطة التنفيذية، لافتا إلى أنه يتم التعامل مع كل مسار على حدة ضمن رؤية دولية شاملة لإعادة تشكيل النظام السياسي في ليبيا. وأوضح أن الرؤية الأمريكية للملف الليبي تأتي ضمن سياق إقليمي أوسع يشمل الأزمات في السودان وغزة وإيران، إذ تنظر واشنطن إلى هذه الملفات على أنها مترابطة ضمن صورة جيوسياسية واحدة. وأشار بو الرقعة إلى بعض الطروحات النظرية في العلاقات الدولية التي تشير إلى أن الفراغ السياسي في الدول الهشة قد يسمح بتمدد قوى أخرى، وهو ما يجعل، بحسب وصفه، موقع ليبيا الجيوسياسي مهما يفوق قدرات الفاعلين المحليين. وأكد أن أي تسوية مستقبلية في ليبيا ستظل خاضعة للتوازنات الدولية المعقدة ما لم يتم التوصل إلى توافق وطني داخلي قادر على إعادة تحديد شكل الدولة ومؤسساتها بشكل مستقل ومستقر. وفي حديثه عن الدور الإقليمي، أشار بو رقيقة إلى أن مصر تتعامل مع الملف الليبي بالدرجة الأولى من منظور الأمن القومي، لافتا إلى أن هذا الاتجاه ينعكس في خطاب الدولة المصرية، خاصة من خلال وزارة الخارجية التي تعتمد بشكل كبير على التوجهات الأمنية في إدارة هذا الملف. وأضاف أن مصر تنظر إلى ليبيا كجزء من نطاقها الأمني الإقليمي الممتد، بما في ذلك تداعيات الوضع في السودان والحدود الجنوبية، وهو ما يجعل القاهرة حريصة على ضبط أي ترتيبات سياسية أو أمنية في ليبيا بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية. وأشار إلى أن الأجهزة المصرية المعنية بالملف الليبي تتعامل معه باعتباره ملفا أمنيا متكاملا، يتم من خلاله ضبط التوازنات الإقليمية وتحقيق الاستقرار بما يخدم الأمن القومي المصري وشركائه الإقليميين. من ناحية أخرى، تحدث بو رقيقة عن أدوار الدول الأخرى المعنية بالملف الليبي، مثل فرنسا وتركيا وغيرهما، موضحا أن مقاربات هذه الدول ترتكز أيضا على اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، وليس على المقاربات السياسية التقليدية فقط. وأشار إلى أن الوفود الأمنية والاستخباراتية التي زارت ليبيا خلال الفترة الأخيرة تأتي ضمن هذا الإطار، حيث تعمل أجهزة المخابرات كأدوات للتنفيذ المباشر لمصالح الدول، وليس مجرد قنوات فنية أو دبلوماسية. واعتبر أن المشكلة الأساسية تكمن في الجانب الليبي، حيث لا توجد، بحسب وصفه، رؤية استراتيجية موحدة تعبر عن المصالح الوطنية العليا للدولة الليبية في أي تسوية مقبلة. موضحا أن الأطراف الليبية لم تنجح حتى الآن في صياغة أجندة تفاوضية واضحة تحدد أولويات الدولة ومصالحها الاستراتيجية، مما يجعلها طرفا فاعلا في صياغة مخرجات أي تسوية، بدلا من أن تكون مجرد متلقي للقرارات الدولية. وأكد أن الدول الفاعلة في الملف الليبي تتعامل بمنطق المصالح البحتة، وتستخدم أدوات العمل الاستخباراتي والدبلوماسي ضمن نظام محكم لحماية مصالحها الاستراتيجية، فيما يفتقر الجانب الليبي إلى هذا المستوى من التنظيم المؤسسي في إدارة الملف. وأكد أن مستقبل التسوية في ليبيا سيظل مرهونا بقدرة الليبيين على صياغة مشروع وطني واضح يحدد بدقة موقف الدولة ومصالحها ضمن المعادلات الإقليمية والدولية، بعيدا عن الانفعالات أو ردود الفعل، وبما يضمن استعادة القرار الوطني داخل مؤسسات الدولة.



