اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-27 15:21:00
خاص للمركز الفلسطيني للإعلام: عندما تقتحم قوات الاحتلال الإسرائيلي المسجد الأقصى، وتغلق أبوابه، أو تمنع طواقمه من أداء عملهم، يتكرر السؤال نفسه: كيف تدار شؤون المسجد الأقصى؟ هذه المسألة ليست إدارية بحتة، بل هي سياسية وسيادية بامتياز، لأن إدارة الأقصى تعني من يملك القرار فيما يتعلق بالصلاة والصيانة والحراسة والدخول إلى المكان، ومن يحاول انتزاع هذا القرار بالقوة وفرض واقع جديد في ظل الاحتلال. كيف كانت إدارة شؤون المسجد الأقصى في الأصل؟ ومن الناحية القانونية والتاريخية، يخضع المسجد الأقصى لإدارة الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية. وهذه ليست مسألة بروتوكولية، بل هي تعبير عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وعن وضع تاريخي استقر قبل الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية وبعده. وتشمل هذه الإدارة كامل مساحة المسجد الأقصى البالغة 144 دونما، بما في ذلك المصليات المغطاة والساحات والأبواب والمآذن والمدرجات وقبة الصخرة والمصلى القبلي وباب الرحمة وغيرها من المعالم داخل الحرم. ومن الناحية العملية، تتولى الأوقاف مسؤولية الإشراف على شؤون العبادة، وتنظيم عمل الحراسة والحراس والموظفين، ومتابعة أعمال الصيانة والترميم، وإدارة المدارس الشرعية وبعض الأنشطة الدينية والتعليمية داخل المسجد. وهي الجهة التي تحدد أصلا ما يتعلق بفتح وإغلاق الأبواب ضمن متطلبات العمل الديني والإداري، ومتابعة النظافة والكهرباء والمياه والمكتبات والمخطوطات، فضلا عن تنسيق حضور المصلين في المناسبات والمواسم الدينية. لكن هذه الصورة لا تكتمل إذا قدمت وكأنها إدارة مستقرة تعمل بحرية. والحقيقة أن الأوقاف تدير الأقصى تحت ضغط يومي من الاحتلال، وفي منطقة صراع مفتوح على سيادة المكان وهويته ووظيفته الدينية. الإدارة الدينية في ظل احتلال يفرض القيود. وبعد احتلال القدس الشرقية عام 1967، أبقت سلطات الاحتلال الإدارة الدينية الداخلية للمسجد في يد الأوقاف الإسلامية، لكنها لم تتخل عن سيطرتها الأمنية والعسكرية على المدينة ومحيط الأقصى وأبوابه الخارجية. وهنا بدأ التناقض الأساسي: إدارة دينية إسلامية من جهة، وقوة احتلال تسيطر على المداخل والحركة والاقتحامات وتفرض المنع والإبعاد من جهة أخرى. وهذا يعني أن الأوقاف هي المسؤولة عن المسجد، لكن الاحتلال لديه القدرة على تعطيل قراراته، أو تقييد عمله، أو منع وصول موظفيه، أو اعتقال حراسه، أو عزل مديره وموظفيه، أو إغلاق باب معين، أو السماح للمتسللين بالدخول في أوقات تفرض بقوة السلاح. ولذلك فإن من يتساءل كيف تدار شؤون المسجد الأقصى عليه أن يفهم أن الجواب معقد: الإدارة الرسمية للأوقاف، أما السيطرة الميدانية الضاغطة فهي للاحتلال الذي يسعى باستمرار لتقويض هذه الإدارة، وليس مجرد مراقبتها. وفي السنوات الأخيرة، تصاعد هذا التدخل إلى مستويات أكثر خطورة. الاحتلال لم يعد يكتفي بالسيطرة الأمنية حول الأقصى. بل تعمل على تقليص دور الأوقاف نفسها، والتدخل في الصيانة، والاعتراض على أعمال الترميم، وفرض معايير جديدة في باب الرحمة، وملاحقة الحراسة، وتوفير الحماية المنظمة لاقتحامات المستوطنين وجماعات التهويد. ماذا تدير الأوقاف يوميا داخل الأقصى؟ الإدارة اليومية للمسجد الأقصى ليست عنوانا عاما، بل هي عمل معقد يبدأ بتفاصيل العبادة ولا ينتهي بحماية البنية المعمارية والتراثية للمكان. وهناك حراس يقومون بمراقبة الأبواب والساحات، ورصد المخالفات، وتنظيم الحركة الداخلية حسب طبيعة المكان الديني. يوجد موظفو صيانة يتعاملون مع شبكات الكهرباء والماء واستكشاف الأخطاء وإصلاحها والحفاظ على المباني التاريخية الحساسة. كما تشمل الإدارة متابعة شؤون المصليات، وتأثيث المسجد، وتنظيم مكبرات الصوت، واستقبال شهر رمضان والمواسم الكبرى، والتنسيق مع لجان العلم والوعظ، والاهتمام بالمكتبات والمخطوطات والمراكز الدينية المرتبطة بالمسجد. تبدو هذه التصرفات خدمية، لكنها في الأقصى تحمل معنى الترابط الإداري والاستقرار المؤسسي في مواجهة مشروع الاستبدال الذي يريد إفراغ المكان من سلطته الإسلامية. يؤدي الحراس على وجه الخصوص دورًا يتجاوز الوظيفة الروتينية. فهم شهود ميدانيون على المداهمات والانتهاكات، وغالباً ما يكونون في طليعة من يتعرضون للاعتداء أو الاعتقال أو الترحيل. ولهذا يستهدفهم الاحتلال باستمرار، لأنه يدرك أن وجودهم المنظم هو أحد الخطوط الأخيرة التي تثبت أن المسجد له إدارة إسلامية قائمة، وليس رمزيا فقط. من يفتح الأبواب ومن يقرر الدخول؟ في الوضع الطبيعي إدارة الأوقاف هي صاحبة الشأن في شؤون المسجد الداخلية، لكن الاحتلال فرض معادلة مشوهة على الأبواب. وتخضع بعض الأبواب الخارجية لرقابة أمنية من قبل شرطة الاحتلال، التي تضبط دخول المصلين، وتمنع فئات عمرية معينة، وتحجب بطاقات الهوية، وتغلق المداخل في أوقات التوتر، أو تفرض شروطا على الدخول إلى المسجد أيام الجمعة وشهر رمضان. وهذه النقطة أساسية لأن التحكم في الباب يعني عمليا التأثير على وظيفة المسجد. إذا كانت الأوقاف تدير المكان من الداخل، لكن الاحتلال هو من يقرر من يدخل ومن يمنع، فهو يحاول مصادرة جوهر الإدارة، وليس شكلها فقط. ولهذا السبب يرى الفلسطينيون أن معركة الأقصى لا تتعلق بترتيبات إدارية ضيقة، بل تتعلق بحق المسلمين في إدارة مسجدهم والوصول إليه دون إذن من قوة احتلال. والأخطر من ذلك أن الاحتلال يستخدم هذه السيطرة الأمنية لتكريس الاقتحامات الاستيطانية تحت مسمى الزيارات. فهو يفتح الطريق أمام المستوطنين خلال فترات محددة، ويوفر لهم الحماية المسلحة، ويمنع اعتراض المصلين والمرابطين، وفي كثير من الأحيان يزيل من يتصدى لهذه الاقتحامات. وبهذا المعنى، فهو لا ينظم الدخول فحسب، بل يعيد تشكيله لخدمة مشروع سياسي وديني مضاد. كيف يتم اتخاذ القرارات المتعلقة بالترميم والصيانة؟ ومن حيث المبدأ فإن الترميم والصيانة هي مسؤولية الأوقاف الإسلامية والأجهزة الفنية التابعة لها. ويشمل ذلك ترميم المباني التاريخية، وصيانة القباب والأسقف والجدران، ومعالجة الرطوبة والتشققات، والحفاظ على الهوية العمرانية الإسلامية للأقصى. لكن الاحتلال يتدخل مرارا وتكرارا لعرقلة هذه الإجراءات أو إخضاعها لشروطه، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمناطق التي يعتبرها حساسة أمنيا أو سياسيا. وقد تجلى ذلك بوضوح في عدة حالات، عندما حاول الاحتلال منع أو تأخير أعمال الترميم، أو تصويرها على أنها تغيير للوضع الراهن، في حين فرض هو نفسه تغييرات جذرية على محيط الأقصى وعلى كامل البلدة القديمة من خلال الحفريات والأنفاق ومشاريع التهويد. وهذا التناقض مقصود: يريد أن يمنع الإدارة الإسلامية من القيام بدورها الطبيعي، ثم يدعي أن وجوده ضروري لإدارة المكان. وهنا يجب التمييز بين الإدارة الفعلية والقدرة المنفذة. وللأوقاف ولاية قضائية وقانونية، لكن قدرتها على التنفيذ ليست مطلقة بسبب الاحتلال. وهذا أحد جوانب النضال اليومي في القدس: ليس فقط من له الحق، بل أيضاً من يملك القدرة على تعطيل هذا الحق. مجلس الأوقاف ودوره في إدارة المسجد الأقصى وإلى جانب الهيئة التنفيذية لدائرة الأوقاف هناك مجلس الأوقاف والشؤون الإسلامية والمقدسات في القدس، والذي يلعب دورا داعما وإشرافيا في الملفات الرئيسية المتعلقة بالأقصى والمقدسات. واكتسب هذا المجلس أهمية مضاعفة في السنوات الأخيرة، خاصة مع اتساع نطاق الاستهداف الإسرائيلي ومحاولات فرض ترتيبات جديدة داخل المسجد وفي محيطه. ودور المجلس لا يلغي دور دائرة الأوقاف، بل يعززها سياسيا ومؤسساتيا. وتساهم في ترسيخ الموقف الإسلامي من القضايا الخلافية، ومتابعة التطورات، وإصدار المواقف بشأن المداهمات والإغلاقات والاعتداءات على الحراس والمصلين. لكن مرة أخرى، تبقى المشكلة الأساسية أن الاحتلال يتعامل مع هذه المرجعيات كعائق أمام مشروعه، وليس كشريك في تنظيم المكان. لماذا يحاول الاحتلال التقليل من هذه الإدارة؟ الجواب واضح: لأن بقاء الأوقاف سلطة حقيقية داخل المسجد الأقصى يعني بقاء الاعتراف العملي بعروبته وإسلامه، ويعني أن الاحتلال لم ينجح في فرض السيادة الكاملة على أقدس المقدسات في القدس الإسلامية. ولذلك فهو يعمل على إنهاك هذه الإدارة خطوة بخطوة، من خلال عمليات الإبعاد والاستدعاء والاعتقال ومنع الترميم وضبط الأبواب وتوسيع الاقتحامات وإدخال التقسيم الزماني والمكاني، حتى لو كان تدريجياً وغير معلن في بعض المراحل. ولا تستهدف هذه السياسة الموظفين فحسب، بل تستهدف أيضًا وعي الناس. عندما يتم تصوير شرطة الاحتلال على أنها صاحبة القرار في الأقصى، وعندما يتم التعامل مع الحراس والموظفين وكأنهم مجرد عمال ثانويين، يتم تشويه حقيقة المكان. والحقيقة أن إدارة الأقصى إسلامية، والاحتلال قوة طوارئ تحاول فرض الحقائق بالقوة المسلحة، لا بالحق ولا بالشرعية. بين الإدارة والسيادة.. أين تقف المعركة اليوم؟ ولا يمكن فصل إدارة المسجد الأقصى عن مسألة السيادة عليه. من الناحية الشكلية، قد يقول البعض إن الوقف لا يزال يدير شؤون المسجد، وهذا صحيح جزئياً. لكن من الناحية الميدانية، فإن الاحتلال ينازع هذه الإدارة كل يوم، ويحاول تقليصها وتحويلها إلى دور محدود ضمن مساحة يسيطر على تفاصيلها الأمنية. وهذا هو جوهر الصراع. ولذلك فإن الدفاع عن الأقصى لا يقتصر على منع الاقتحام أو رفض الإغلاق، بل يشمل أيضًا حماية السلطة التي تدير المسجد وتحافظ على هويته ووظيفته الدينية. وكل اعتداء على الحراس أو منع الترميم أو ترحيل الموظفين أو فرض قيود على الدخول هو اعتداء مباشر على إدارة المسجد نفسها. في الوعي الفلسطيني، لا تقاس إدارة الأقصى بالأختام والأنظمة فحسب، بل أيضا بالصمود في وجه مشروع الاقتلاع. وطالما أن الاحتلال يسعى إلى تفكيك السلطة الإسلامية داخل المسجد، فإن إقامة هذه السلطة يبقى جزءا من معركة القدس برمتها. الاستنتاج العملي الذي يجب أن يبقى حاضرا: الأقصى تديره الأوقاف الإسلامية، وهي صاحبة الحق، لكنه محاصر يوميا من قبل احتلال يسعى لسلب هذا الحق. ولذلك فإن حماية الإدارة هنا ليست مسألة إدارية، بل واجب الدفاع عن المكان والهوية والسرد.



