اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-25 17:39:00
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي بالأمس، قبل أذان المغرب بقليل، وبينما كنت أتحدث مع والدتي في السودان عبر الهاتف، عادت ذاكرتي إلى عادة مارسناها لسنوات طويلة؛ لتجتمع في بيتها في مثل هذا اليوم من شهر المحرم، يوم التوسعة، حيث يجتمع الأهل والعائلة الكبيرة، ويحمل كل بيت بعضاً من خيره ومحبته. وكان لذلك اليوم نكهة خاصة؛ حيث تنتشر الموائد بما يتوفر من اللقيمات واللبن والأرز والبليلة والفواكه مثل الموز والبطيخ والمانجو، ويتجمع الجميع حول الشاي مع الحليب والقهوة. ملأ الفرح المكان، وارتفعت أصوات الأطفال، وعادت البيوت إلى دفئها الذي تخلقه الألفة والمحبة. وبعد صلاة المغرب في الزاوية الختمية بالقرب من منزل العائلة، حيث يجتمع أهل الطريقة وأهل الحي للصلاة والأذكار، كان الخليفة يقدم للمصلين تشكيلة واسعة من البليلة والأرز والشاي باللبن واللقيمات، في مشهد يجسد معاني الحب والألفة والتكاتف والترابط بين الناس. وبينما كنت أتحدث مع العائلة، سمعت أخي يقول لأخينا الأصغر: هناك شخص واقف على باب الشارع. افتح الباب. وحالما فتح الباب عرفت من صوته أن القادم هو عمنا من جهة الأب وخالنا من جهة الأم (……)، ذلك الرجل الذي يحمل حضوره الكثير من الذكريات والمعاني. ودخل علينا بصوته العالي المعتاد وهو يقول: «السلام عليكم يا أهل البيت.. أهل جو». وكان رد الأم مليئاً بالفرحة: “أهلاً وسهلاً بكم، الحمد لله على سلامتكم، أدخلوني”. أدركت في تلك اللحظة أنه عاد إلى السودان بعد رحلة صعبة إلى مصر بسبب ظروف الحرب؛ رحلة فقد فيها ابنه والمرأة اليمينية زينة شباب مدني. كما فقد زوجة ابنه الأكبر في حادث سير أليم، وأجرى خلاله عدداً من العمليات الجراحية بعد إصابة في ساقه ومشاكل في العين. ورغم كل ما مر به، عاد متكئا على عصاه، لا يحمل سوى قلبه الكبير، وجاء إلى منزل العائلة للاطمئنان على الأسرة، كما كان يفعل منذ سنوات طويلة، في مختلف الظروف والمناسبات. وكان حضوره في تلك المكالمة الهاتفية لحظة مليئة بالبهجة والسعادة. مجرد سماع صوته الحبيب يعيد إلينا شيئاً من الطمأنينة والانتماء، وكأن جزءاً من روح الوطن قد عاد إلينا. في تلك اللحظة تذكرت المثل الشعبي الذي يقول: «من لا يملك كبيرة يشتري كبيرة». كم نحتاج لمثل هؤلاء الرجال: أصحاب القلوب الدافئة، الذين يحبون أهلهم، والذين يكون وجودهم مصدر أمان وطمأنينة، والذين يتركون للأجيال درسا في الولاء والروابط الأسرية. ما يفعله هؤلاء الكبار ليس مجرد زيارات عابرة، بل هو أسلوب حياة، ورسالة يجب أن يتعلمها الأطفال. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يوسع له في رزقه، وأن يقتدى به، فليصل رحمه». وصلة الأرحام ليست كلاماً يقال، بل هي من الإحسان إلى الأقارب، والاطمئنان على أحوالهم، وإيصال الخير إليهم، ودفع الأذى عنهم. ويتم ذلك من خلال الزيارة والاتصال والسؤال عن الحالة وتقديم الدعم المادي والمعنوي عند الحاجة. نحارب الكراهية، فتبقى البيوت مليئة بأهلها، وتبقى الذكريات الجميلة دليلاً على أن الحب والروابط الأسرية من أعظم الآثار الطيبة التي يتركها الإنسان في هذه الحياة. aminoo.1961@gmail.com الكاتب



