اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-24 23:22:00
حنان الخلفان: الإنسان لا يموت مرتين. يموت مرة عندما يتوقف قلبه، ومرة أخرى عندما تتحول قصته إلى خبر يتداوله الناس أياما، ثم يُنسى دون أن يتغير شيء. رحم الله تلك الشابة التي وافتها المنية وهي صغيرة، وألهم أهلها وأحبائها الصبر والسلوان. لقد تركت وراءها طفلين سيكبران مع سؤال قد لا يجدان إجابة له أبدًا. وفيما لا تزال الجهات المختصة تتابع ملابسات القضية، يبقى الألم إنسانياً قبل أن يكون قانونياً، وتبقى الحقيقة حق للجميع. لكن هذه القضية تفرض علينا سؤالاً أكبر من القضية نفسها: ماذا يحدث بعد انتهاء التحقيق؟ قد نعرف من أخطأ، وقد تثبت المسؤولية أو تنفيها، لكن هل هذا يكفي؟ فهل تكتمل العدالة بإغلاق ملف القضية، أو عندما تتحول نتائجها إلى إجراءات جديدة تمنع تكرار المأساة وتحمي المريض التالي؟ الطب من أشرف المهن، لأنه يتعامل مع أغلى ما يملكه الإنسان. حياته. ولذلك فإن الآلاف من الأطباء والممرضين والعاملين الصحيين يستحقون كل التقدير على الجهود الكبيرة التي يقدمونها كل يوم في إنقاذ الأرواح. وفي الوقت نفسه، فإن أي نظام صحي، مهما كانت كفاءته، ليس محصنا ضد الخطأ. فوجود الخطأ لا يهز الثقة بقدر غياب القدرة على التعلم منه. ولعلنا نستفيد من قطاع أثبت نجاحه في إدارة الأخطاء. في مجال الطيران، لا يُنظر إلى الحوادث على أنها نهاية القصة، بل هي البداية. ويؤدي كل حادث إلى مراجعة الإجراءات، وتحديث الأدلة التشغيلية، وتطوير برامج التدريب، حتى أصبح السفر الجوي اليوم من أكثر وسائل النقل أماناً. لو اكتفى العالم بمعرفة سبب كل حادث دون تغيير ما يليه، لما أصبحت الطائرة رمزاً للأمان. فلماذا لا تتحول كل قضية طبية إلى فرصة لتحديث البروتوكولات ومراجعة الإجراءات واستخلاص الدروس التي تحمي المرضى في المستقبل؟ وهنا يبرز الدور الهام الذي قامت به الهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية، والتي وفرت قنوات للإبلاغ عن المخالفات الطبية بسرية تامة، وهي خطوة تستحق الثناء. لكن المرحلة المقبلة قد تتطلب توسيع الوعي بهذه القنوات داخل المؤسسات الصحية، من خلال حملات دورية تؤكد لكل طبيب وممرض وفني وإداري أن حماية المريض مسؤولية مشتركة، وأن الإبلاغ عن أي خلل قد يهدد سلامة المرضى ليس موقفا ضد زميل، بل موقف مع المريض والمهنة، وأن السرية التي توفرها الهيئة ضمانة تشجع على اكتشاف الخلل قبل أن يتحول إلى مأساة. الصمت لا يحمي سمعة المهنة، بل قد يحمي الخطأ من أن ينكشف. بصراحة، لا أريد أن يكون الإنجاز الأعظم في هذه القضية هو معرفة من أخطأ، فهذه مهمة التحقيق والجهات المختصة. ما أريده حقاً هو أن أخرج من كل حالة إجراءً جديداً، أو بروتوكولاً أفضل، أو تدريباً أكثر كفاءة، أو ثقافة مهنية تجعل الخطأ التالي أقل احتمالاً من الخطأ السابق. إن نجاح أي نظام صحي لا يقاس بأنه لا يخطئ أبداً، وهذا أمر لا تدعيه حتى الأنظمة الصحية الأكثر تقدماً. بل يقاس بقدرته على ضمان عدم تكرار نفس الخطأ مرتين. قد يكون الخطأ الأول مأساة، لكن الخطأ الثاني هو الفشل في التعلم.



