اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-02 15:18:00
بقلم عمر العمر دخلت حرب الخليج الثالثة شهرها الثاني. وتبادل الجانبان المصطلحات تحت القصف. وألحق ترامب ونتنياهو أضرارا جسيمة بالمباني الإيرانية. لكن نظام الملالي لم يستسلم بعد. أدت العملية الجراحية المفاجئة إلى بتر الرأس، لكن الجسم المترهل ما زال ينبض عسكرياً وسياسياً. وكأن النظام يصر على ممارسة “الهاريكاري” كمفجر انتحاري على الطريقة اليابانية. تتعرض دول الخليج لعدوان شرس من الحرس الثوري، وهي تستعرض مهارات المشي بثبات على حد السكين. إنه قادر على الصمود وتجنب الانزلاق في المستنقع. حزب الله لا يكتفي بتأكيد عناده الوجودي. بل إنها تستأنف إرسال الكرات النارية إلى الإسرائيليين. ويواصل اللبنانيون دفع الفواتير المفتوحة للتدمير والتهجير. الحوثيون يخرجون من كهوفهم لإشعال باب المندب والعالم يحبس أنفاسه داخل مضيق هرمز. أسعار الطاقة تحرق بطون الاقتصاد. إن تغيير الشرق الأوسط هو حلم أميركي إسرائيلي قديم. ولم يدرك ترامب ونتنياهو أن الأحلام لا تتحقق بالعنف. فالتفاوض لم يكن خياراً في الحسابات الثنائية، بل أصبح محطة طارئة. كلاهما يرقصان على حد السكين، ويتأرجحان بين ما عجزت البندقية عن تحقيقه، وما لن تحققه الدبلوماسية! ودخلت الحرب الخاطئة في معارك إملاء الشروط وانتزاع التنازلات. يضطر كلا الطرفين إلى السير على حافة السكين. وتشهد جولات التفاوض قتالاً عنيفاً بأسلحة الذل والأذى والمناورة المتاحة. وتجري الحوارات داخل غرف مغلقة بينما يتدرب المقاتلون على إطلاق الصواريخ والمسيرات. ويهدف الجانب الإسرائيلي الأميركي إلى استنفاد مخزون الإيرانيين من الصبر والصواريخ. ويختبر الحرس الثوري قدرته على الصمود ويحشد أجنحته من أجل زيادة الضغط على الآخرين. إنها جولة من عض الأصابع في انتظار من يصرخ أولاً. وفي خضم المعارك، تتراجع شعبية ترامب كلما تصاعدت موجات التظاهرات داخل المدن الأميركية. تعيش إسرائيل كوابيس لم تشهدها أجيالها من قبل، وسط أبخرة الرعب. لا يمكن لأسعار النفط والغاز أن تنتظر المجهول. وتعاني واشنطن من اللامبالاة بين حلفائها. ترامب يشكو من الإحباط تجاه الناتو. رياح السخط تضرب عواصم، وربما شعوب المنطقة، إزاء ما يسمى بالنظام العربي. هذه ليست الحرب الكبرى الأولى في الشرق الأوسط. العدوان الثلاثي استهدف مصر. أمريكا غيرت بوصلتها وقادت حربين في الخليج. الأولى في عهد بوش الأب، والثانية في عهد بوش الابن. ورغم أن العراق برز كمحور ساخن في الحربين، إلا أن العرب كان لهم تاريخ طويل في كلتا الحربين. ربما اتخذت حرب بوش الأب طابعاً دفاعياً لأنها كانت تهدف إلى احتواء سياسات الهيمنة الإقليمية الاستبدادية. وانتقلت حرب بوش الابن إلى الطابع الهجومي، إذ كان هدفها فرض الهيمنة الأميركية تحت مظلة مكافحة الإرهاب. الحرب الحالية تلونت بمغامرات شخصية، يهرب من خلالها نتنياهو من معاركه الداخلية. ووقع ترامب ضحية طموحاته الخاصة، محاولا ترسيخ صورة أعظم رئيس قادر على صناعة تاريخ عظيم للدولة العظمى صاحبة أقوى جيش. ولذلك تم الخلط بين أهداف الحرب المعلنة وإدارة مراحلها وفق إحداثياتها، وليس في إطار استراتيجية مرسومة مسبقاً. وهكذا جاءت الأهداف من تصفية النظام إلى تغيير سلوكه، بما في ذلك تجفيف مصانع الصواريخ الباليستية ومستودعاتها، ثم تدمير جميع المنشآت النووية وإعادة فتح ممر هرمز. ومن نافذة إمكانيات التفاوض، تسربت نغمة الحديث عن تأمين السلام الإقليمي. وهكذا وجد ترامب وشريكه الصهيوني نفسيهما يرقصان على حد السكين، إذ مع التوغل في الحرب والزمن لم يكن هناك بصيص من الحل. إن الانتقال إلى الجبهات الدبلوماسية يمثل رقصة خطيرة. إن بناء المفاوضات من خلال الوسطاء يغري بإملاء الشروط واستخلاص المكاسب مع إضاعة الوقت أو استثماره. يحرك ترامب شبح الحرب البرية. هذه مغامرة قد تدعو الأميركي إلى التوابيت في مستنقع فيتنام. ولا أحد يعلن عدد ضحاياه بقدر ما يركز على خسائر الآخرين. إن اختلال موازين القوى في ظل الواقع المتردي لن يؤدي إلى إنتاج حلول سلمية دائمة. والحوار في مثل هذه الظروف يعطي الأولوية لإسكات كمامات النار. ويتطلب السلام الإقليمي صياغة استراتيجية تتجاوز القضايا العسكرية إلى المحاور الاقتصادية والسياسية والثقافية. هذه الرؤية غير حاضرة على طاولة المفاوضات، فاللعبة تدار بروح انتصار الأقوياء وهزيمة الضعفاء في الجبهات الساخنة. ومن هنا تظهر العوائق أمام الحلول الدبلوماسية. إن النظام الإيراني المتغطرس لن يقبل بتسوية على أساس تصنيفه في موقف المهزوم، رغم الدمار المدمر الذي حل بالبلاد. إغلاق مضيق هرمز محاولة حمقاء لإثبات حقيقة جوهرية كانت مخبأة في تقديرات خاطئة. دور الاقتصاد كسلاح في الحرب كما في السلام. وفي الوقت نفسه، لا يريد ترامب النصر على إيران فحسب، بل يريد تأكيد تفوقه في أمركة العالم بأسره من خلال مهاجمة حلفائه وخصومه بشكل خبيث. إن عزلة الشرق والغرب خوفاً من اتساع نطاق الحرب واتساع نطاقها تجعله أكثر ميلاً إلى اللجوء إلى عسكرة المفاوضات بدلاً من تسييسها. غالبًا ما تتضمن نتائج هذا الأسلوب تخديرًا يخفف الأعراض، لكنها بالتأكيد لن تكون عملية جراحية فعالة للقضاء على المرض. وطالما أن الوسطاء يدركون كل هذه المخاوف والعقد والعقبات، فإن جهودهم ستحقق بعض الأهداف على صعيد بناء جسور العودة إلى السلام. وهذا هدف لن يتبلور إلا إذا كان لدول المنطقة مصلحة فيه. لقد بنى الراحل هنري كيسنجر نجاحه الدبلوماسي على الاعتراف بجميع الأطراف الموجودة على الساحة. ولعله أكثر السياسيين المعاصرين انشغالاً بأمور القتال والتفاوض. وربما أنا أعلم منهم في هذا الشأن. لديه 21 كتابًا عن الأمن القومي في رصيده. وامتدت نجاحاته من السويس إلى الصين وحتى فيتنام. يتدرب الوسطاء على الرقص على حد السكين. إنهم لا ينتمون إلى فضاء الحياد المجرد. وإذا لم تمسهم نيران الحرب، فسوف يتأثرون حتماً بحرارة تضارب المصالح. أتمنى أن تفهم جميع الأطراف حكمة كيسنجر (لتكن الحرب هي الإمكانية الأخيرة وليكن هدفها العودة السريعة للسلام). وكلما طال أمد بقاء الجبهات مشتعلة، كلما تراكمت الخسائر العسكرية والمدنية. وهذا عبء لا يزيد من تكلفة إعادة البناء فحسب، بل يطيل أيضًا مدة دخول الإيرانيين إلى المستشفى والتعافي على المستوى الإقليمي. aloomar@gmail.com نقلا عن العربي الجديد




