السودان – “سجون المهد” كتاب – عندما يتحول السجن من جدار سياسي إلى بنية كاملة للوعي السوداني

أخبار السودانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السودان – “سجون المهد” كتاب – عندما يتحول السجن من جدار سياسي إلى بنية كاملة للوعي السوداني

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-18 11:28:00

زهير عثمان في الأدب السوداني المعاصر، نادراً ما تظهر نصوص تحاول كتابة السجن ليس فقط كتجربة اعتقال، بل كناية رئيسية عن حالة بلد بأكمله. وهنا تكمن أهمية كتاب “سجون المهد” للدكتور عزام؛ وهو لا يكتفي بسرد تجربة التكبيل، لكنه يحاول -بوعي أو بغير وعي- أن يحول السجن إلى مرآة تعكس أزمة الإنسان السوداني في علاقته بالدولة والأيديولوجية والجماعة وحتى نفسه. العنوان في حد ذاته ذكي وذو دلالة كبيرة، فكلمة “مهد” في الوعي السوداني ليست كلمة بريئة أو محايدة؛ فهو يشير مباشرة إلى – البدايات، والتكوين، والمقدس السياسي، والذاكرة التاريخية المرتبطة بالخلاص والقوة معًا. لكن عندما تقترن كلمة «المهد» بكلمة «السجون» ندخل فوراً في مفارقة مؤلمة. فكيف يمكن لمكان من المفترض أن يكون رحم الحرية أو النهضة أن يتحول إلى فضاء من القيد؟ وهنا يبدأ الكتاب بتفجير أسئلته الحقيقية: السجن كفكرة، وليس كمكان. وأهم ما يميز الكتاب -في رأيي- أنه لا يقدم السجن كمجرد مؤسسة عقابية، بل كبنية اجتماعية وسياسية ونفسية ممتدة داخل المجتمع السوداني نفسه. ويكتشف القارئ تدريجياً أن – السجن ليس الزنزانة فقط، وليس المحقق أو السجان فقط، بل هو أيضاً اللغة المغلقة، والخوف الجماعي، والرقابة الأخلاقية، والقبيلة، والحزب، والشعارات الكبرى التي تتحول إلى أقفاص فكرية، وهذا ما يعطي النص بعداً. إنه يتجاوز “أدب الشهادة” التقليدي إلى مساحة أقرب إلى الفلسفة السياسية. الكتاب لا يقول فقط إن السلطات تسجن الناس، بل يشير إلى أن المجتمع نفسه قد يتحول إلى مؤسسة اعتقال ضخمة، وأن الفرد السوداني يعيش داخل طبقات متراكمة من السجون – سجن الهوية، وسجن الجماعة، وسجن التاريخ، وسجن الخوف من مخالفة القاعدة. من السجن السياسي إلى انتقاد الدولة السودانية. يُذكر أن الكتاب -حتى في لحظاته الشخصية- لا يبقى أسير تجربة ذاتية، بل يتحول تدريجياً إلى نقد ضمني لفكرة الدولة السودانية نفسها، وهنا يقترب النص من التقاليد. ولم تنجح السلطات في السودان، كما يشير الكتاب، تاريخياً في بناء مواطنة مستقرة وحديثة، وبالتالي اعتمدت دائماً على الخوف، والتعبئة الأيديولوجية، والولاءات الأولية، والأجهزة الأمنية. ومن هنا، يبدو أن الحبس في الكتاب ليس صدفة، بل هو جزء من منطق الحكم نفسه. وهذا ما يجعل «سجون المهد» قريباً روحياً من أعمال «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف، وبعض نصوص فرانتز. فانون عن العنف والاستعمار، وحتى أدبيات ميشيل فوكو عن السلطة والانضباط والمراقبة، لكن الخصوصية السودانية للنص تظهر في نقطة مهمة جدا، وهي أن الاضطهاد هنا ليس مجرد اضطهاد دولة حديثة، بل هو اضطهاد يختلط فيه الديني والقبلي والعسكري والأبوي، أي أننا أمام “سلطات متعددة” تتداخل على الجسد والوعي معا. اللغة بين الشهادة والغضب. لغة الكتاب تحمل توتراً واضحاً بين الرغبة في التوثيق، والرغبة في الانتقام الرمزي من التجربة، وهذه نقطة مهمة. تقع بعض نصوص السجون في فخ الرثاء أو البطولة المطلقة، لكن «سجون المهد» تبدو، في لحظات كثيرة، أكثر انشغالاً بفهم ما حدث، وليس فقط بإدانته. لكن يمكن القول إن النص يقترب أحيانا من الخطاب السياسي المباشر، خاصة عندما يتحول الألم إلى موقف إيديولوجي جاهز. وهذه مشكلة تواجه الكثير من أدبيات السجون العربية والإفريقية. فكيف يمكن للكاتب أن يحافظ على حرارة التجربة دون أن يفقد التعقيد الفني والفكري؟ وربما كان الكتاب سيكون أكثر قوة لو أنه ترك بعض الأسئلة مفتوحة بدلا من محاولة حلها أخلاقيا أو سياسيا. الذاكرة السودانية مساحة للاعتقال. ومن أهم القضايا التي يطرحها الكتاب، ولو بشكل غير مباشر، أزمة الذاكرة السودانية نفسها. إن السودان بلد عاش الانقلابات والحروب والإقصاء والمجاعات، لكنه نادراً ما أنتج “أرشيفاً أخلاقياً” حقيقياً لمآسيه. ومن هنا تأتي قيمة هذا النوع من الكتابة، لأن أدب السجون ليس مجرد سجل للمعاناة، بل هو محاولة لمنع النسيان. السلطة تريد دائما أن ينسى ضحاياها، أو أن يتحولوا إلى مجرد أرقام. أما الكتابة فهي تقاوم هذا المحو، ومن هنا تصبح «سجون المهد» جزءاً من معركة أكبر، هي معركة الذاكرة ضد النسيان، والفرد ضد الرواية الرسمية للدولة. هل تحرر الكاتب فعلاً بعد السجن؟ السؤال الأعمق الذي يتركه الكتاب للقارئ ليس ماذا حدث داخل السجن؟ بل هل يستطيع الإنسان أن يخرج من السجن نفسياً بعد خروجه منه؟ وهنا يتحول النص إلى تأمل وجودي عميق. بعض السجون لا تبقى داخل الجدران، بل تتحرك نحو الداخل، نحو اللغة، والأحلام، والعلاقات، وحتى طريقة النظر. للعالم، ولعل هذا هو المجال الأكثر إيلامًا وصدقًا في الكتاب. أهمية الكتاب في اللحظة السودانية الراهنة. وفي ظل الحرب والانهيار الحالي في السودان، تكتسب مثل هذه النصوص أهمية مضاعفة لأن البلاد اليوم لا تواجه أزمة سلطة فحسب، بل أزمة معنى تبدأ – ما هي الدولة؟ من هو المواطن؟ من هو الضحية؟ ومن له الحق في رواية التاريخ؟ ولذلك فإن «سجون المهد» ليس مجرد كتاب عن الاعتقال، بل نص عن السودان نفسه كفضاء معلق بين الخوف والبحث عن الحرية، بين الذاكرة والعنف، وبين الحلم الوطني وانهياره المستمر. ولعل أعظم قيمة للكتاب هو أنه يذكر القارئ بحقيقة قاسية، وهي أن السجون لا تبنى من الحديد والأسمنت فقط، بل أيضا من الأفكار المنغلقة، والخوف الجماعي، والسلطات التي تخشى الإنسان الحر. وهذا بالضبط ما يجعل قراءة هذا الكتاب ضرورية، ليس فقط كشهادة فردية، بل كوثيقة عن مأزق السودان. الحديث نفسه. zuhair.osman@aol.com الكاتب

اخبار السودان الان

“سجون المهد” كتاب – عندما يتحول السجن من جدار سياسي إلى بنية كاملة للوعي السوداني

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#سجون #المهد #كتاب #عندما #يتحول #السجن #من #جدار #سياسي #إلى #بنية #كاملة #للوعي #السوداني

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل