اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-02 12:35:00
زهير عثمان في خضم الحرب السودانية الدامية، يبرز سؤال يتجاوز المعارك العسكرية والخلافات السياسية اليومية: من يمثل السودانيين اليوم؟ وبينما تقاتل القوات المسلحة على الأرض، تخوض القوى المدنية والسياسية معركة موازية على الشرعية والتمثيل. وكل طرف يرى نفسه الأقرب إلى نبض الشارع، والأكثر قدرة على التعبير عن تطلعات السودانيين، والأجدر بالمشاركة في أي تسوية سياسية مقبلة. لكن الحرب لم تكشف فقط عن هشاشة الدولة السودانية، بل كشفت أيضا عن هشاشة مفهوم التمثيل السياسي ذاته. ولا يعاني السودان اليوم من أزمة سلطة فحسب، بل يعاني أيضاً من أزمة عميقة تتعلق بمن يحق له التحدث باسم المجتمع السوداني بكل تنوعاته وتعقيداته، من أزمة السلطة إلى أزمة التمثيل. على مدى العقود الماضية، كان السؤال الأساسي في السودان هو “من يحكم؟” واليوم أصبح السؤال أكثر تعقيداً: من يتحدث باسم السودان؟ تواجه القوى المدنية التي قادت الحراك السياسي بعد ثورة ديسمبر انتقادات متزايدة تتعلق بمحدودية نطاقها الاجتماعي والجغرافي، في حين تقدم قوى أخرى نفسها كممثلة للهوامش والمناطق المتضررة من الحروب والتهميش التاريخي. في المقابل، لا يتمتع أي حزب بتفويض شعبي مباشر يسمح له بادعاء احتكار التمثيل، خاصة في ظل غياب الانتخابات وتعطيل المؤسسات الديمقراطية. لقد تحول التمثيل من واقع مؤسسي إلى ساحة مفتوحة للصراع السياسي. الحرب وسقوط المركز أدت الحرب السياسية التقليدية إلى تفكيك “الخرطوم” كمركز تقليدي للسياسة السودانية. ومع اتساع نطاق النزوح واللجوء، ظهرت مجتمعات جديدة دفعت أغلى ثمن للحرب، من دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق إلى معسكرات النزوح داخل السودان وخارجه. لقد أصبحت هذه الجاليات جزءا رئيسيا من المشهد الوطني، لكنها ما زالت تشعر أن صوتها أقل حضورا ضمن المنصات السياسية التي تتحدث باسم السودان، ومن هنا ظهرت أزمة التمثيل بشكل أكثر وضوحا من أي وقت مضى. اتفاق جوبا ومعضلة الشرعية الجديدة في هذا السياق، لا يمكن تجاهل “اتفاق جوبا للسلام” (2020). ورغم أن الحرب عطلت الكثير من بنوده، إلا أن الاتفاق لا يزال يمثل أحد أهم مصادر الشرعية السياسية لعدد من الحركات والقوى المسلحة المنضوية في “الكتلة الديمقراطية”، حيث منح لأول مرة تمثيلا سياسيا ومؤسساتيا لقوى جاءت من مناطق ظلت لسنوات طويلة خارج مركز صنع القرار. لقد كشفت الحرب حدود الاتفاق نفسه؛ الترتيبات الأمنية والتنموية لم تكتمل، وباتت بنودها جزءاً من نقاش المستقبل بدلاً من كونها إطاراً مطبقاً بالكامل. لكن تجاهلها في أي تسوية مستقبلية يبدو صعباً جداً، لأن قطاعات واسعة ترى فيها اعترافاً تاريخياً بقضايا ومظالم الهوامش. الكتلة الديمقراطية والصراع على التمثيل ضمن هذا المشهد، تحاول “الكتلة الديمقراطية” تقديم نفسها كجسر بين المركز والهامش، وتتبنى خطاباً يرتكز على الحل السوداني الخالص، ويرفض الإقصاء، ويتمسك بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية. وهو يعكس أن أزمة التمثيل أصبحت صراعاً داخل المعسكر المدني نفسه حول من يملك الشرعية لقيادة المرحلة المقبلة. الخطأ الأكبر هو اختزال المشهد في منافسة بين “المنصات” أو “الأشخاص”. في جوهره، يدور الصراع حول رؤيتين: رؤية تركز على وقف الحرب وإصلاح الدولة تدريجياً، ورؤية ترى أن الحرب أثبتت فشل النموذج التاريخي، وتطالب بإعادة قيام الدولة على أسس المواطنة واللامركزية وتقاسم السلطة والثروة. من يمثل السودان أو كيف يمثل السودان؟ ولعل السؤال الأهم لم يعد «من يمثل السودانيين؟» بل أصبح السؤال الأساسي: “كيف نبني نظامًا سياسيًا يسمح للسودانيين أنفسهم باختيار من يمثلهم؟” التمثيل الحقيقي لا يتم من خلال التصريحات السياسية أو الظهور الإعلامي، بل من خلال التصريحات السياسية أو الظهور الإعلامي. ومن خلال المشاركة الشعبية والمؤسسات الديمقراطية، فإن التحدي الأكبر أمام كافة القوى السياسية ليس إثبات أنها “الممثل الوحيد”، بل إثبات قدرتها على صياغة عقد سياسي جديد يشعر فيه المواطن في الفاشر وبورتسودان والجنينة والخرطوم وكادقلي أنه شريك كامل في الدولة. السلام المستدام لا يبدأ بإسكات البنادق فقط، بل عندما يشعر كل السودانيين أن الدولة ملك لهم جميعا، وليست مقتصرة على مركز أو نخبة، وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ينتظر السودان في مرحلة ما بعد الحرب.zuhair.osman@aol.com




