اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-17 20:00:00
مع بداية انكشاف أشعة الشمس صباح كل يوم جمعة، يتوجه مجموعة من المغاربة إلى المقابر للصلاة على أحبائهم الراقدين هناك، في تقليد وطقوس اجتماعية احتفظت بها الذاكرة الجماعية المغربية منذ عقود، وفي لحظات تبرز فيها سنة الحياة وفلسفتها. لا تتجاوز الساعة السابعة والنصف صباحا، حين يصطف العشرات من سكان سلا أمام أبواب مقبرة “سيدي بلعباس”، أكبر مقبرة في المدينة، والتي تشهد أعلى معدلات الزيارة خلال هذا اليوم مقارنة ببقية أيام الأسبوع. أمام مداخل هذه المقبرة، التي سرعان ما امتلأت عن طاقتها بسبب استغلال قطعة أرض مجاورة، يقدم بعض الأفراد مجموعة من الخدمات، منها بيع زجاجات المياه، وزجاجات زهر البرتقال، وكل شيء آخر قد يحتاجه الشخص أثناء الزيارة. يدخل الزوار إلى هذه المساحة فرادى وأزواج أيضا، ويتقدمون بخطوات ثقيلة بين القبور المطلة على نهر أبي رقراق، في مشهد يملؤه الصمت الذي لا يقطعه إلا صوت مرور القطار أو صوت الترام الذي يربط بين العدوين. وفي مقدمة تنظيم عمليات الدخول والخروج، هناك عدد من الأعوان التابعين لـ”جمعية إدارة مقابر سلا”، في ظل تركيب عدد من اللوحات الإرشادية التي توضح الترقيم المستخدم لتسمية مناطق ووحدات الدفن. “” موعد اسبوعي “” وما إن يصل الزوار إلى هدفهم حتى تهدأ الأصوات وتستقر الجثث في جلسات هادئة بجوار قبور أفراد رحلوا عن دنيا البشر منذ سنوات أو عقود مضت، من آباء وأمهات وإخوة وأجداد وأقارب. وكما هو شائع في مختلف المقابر المغربية، يستعين الزوار بخدمات بعض القراء لتلاوة ما تيسر من سورة ياسين أو الفاتحة وترديد بعض الأذكار والأدعية، بغض النظر عن بعض الخلافات الفقهية المحيطة بهذا الموضوع. وبمجرد الانتهاء من هذه العملية، تمتد الأيدي لتصب زجاجات المياه على القبور، في حركة تُفسَّر عادة على أنها محاولة لـ«تبريد» ألم وحدة الفراق والرغبة في إحياء ذكرى كل رحل. ويتبع ذلك رش ماء الورد الذي يمتزج برائحة الأرض الرطبة. وتوفر مقبرة “سيدي بلعباس” فرص عيش مؤقتة لبعض الأفراد الذين يبيعون زجاجات المياه بدراهم معدودة (3 دراهم فأكثر)، والذين يراهنون على طيب وكرم الزوار. وتحدثت هسبريس مع أحدهم. وقال: «نحصل هنا على دخل يومي لائق، رغم أنه لم يعد كما كان من قبل بعد تطبيق بعض الإجراءات التنظيمية». وأوضح العون، الذي حاورته الصحيفة، أن “الزائرين يحرصون على الاستعانة بخدمات الشباب المتواجدين في الفضاء، لا سيما من يقدمون الماء لرش القبور أو المساعدة في تنظيفها وإزالة أي غبار وحطام قد يكون فوقها، لتكون بحالة جيدة ومتوافقة مع المعايير الشرعية”، لافتا إلى أن “التنظيم تحسن، وأصبحت عملية الزيارة تتسم بكثير من السلاسة”. وتنبه مجموعة من الإرشادات الموضوعة بين دفاتر نفس الفضاء إلى المخالفات التي لا تسمح بها القوانين النافذة، لاسيما الجرائم المتعلقة بالمقابر وحرمة الموتى، كما ورد في الفصول 268، 269، 270، 271، و272 من قانون العقوبات. على الرغم من اختلاف خلفياتهم، من أرامل مثقلات بالحزن، ورجال يغلبهم الشوق، وشباب يتتبعون جذورهم، فإن التفاوت الطبقي والعمري يذوب عند عتبة «سيدي بلعباس»، حيث تتلاقى كل هذه الخطوات في نقطة وفاء واحدة مرتبطة بتجديد العهد مع من رحلوا. ويستمر توافد الزوار على المكان صباحا، وتبدأ طوابير الزيارات بالاسترخاء مع اقتراب صلاة الجمعة، تاركين وراءهم مساحة تتميز بالهدوء، رغم حالة الاكتظاظ التي تعانيها منذ سنوات، مما جعل سكان المدينة يترقبون افتتاح مقبرة نموذجية جديدة. التمثيلات الاجتماعية من وجهة نظر محمد حبيب، الباحث في علم النفس وعلم الاجتماع، “إن التردد الشديد للمغاربة على المقابر يوم الجمعة ليس مجرد عادة عابرة، بل هو طقوس اجتماعية عميقة حافظوا عليها رغم كل التحولات، وهي تبرز بوضوح”. “لديهم علاقة عاطفية ورمزية مع المقابر التي دفن فيها أقاربهم، حسب درجة وطبيعة هذه القرابة”. وشدد الحبيب، في تصريح لهسبريس، على “أننا أمام سلوك لا يمكن اختزاله في البعد الديني فحسب، بل هو أيضا تعبير عن الولاء العائلي واستمرار حضور الراحل في الذاكرة الجماعية”، مبرزا أن “الأمر يمثل نوعا من تجديد الارتباط بالراحلين ويكشف أيضا عن قوة الروابط الأسرية في الثقافة المغربية”. وبخصوص الارتباط المباشر بين الجمعة وزيارة المقابر، قال المتحدث نفسه إن “يوم الجمعة على وجه الخصوص يحمل حملا رمزيا وروحيا خاصا، لأنه في المخيلة الجماعية مخصص للطمأنينة والدعاء والقرب من الله”، موضحا أن “المغاربة أعطوا هذا اليوم وظيفة مزدوجة: دينية من جهة، واجتماعية من جهة أخرى، حيث أصبح مناسبة لإحياء ذكرى الموتى، وتجديد الوعي بقيمة الأسرة، وتذكر هشاشة الإنسان”. ورغم تزايد أنماط الحياة السريعة والفردية، يرى حبيب أن “استمرار هذه العادة يدل على أن المجتمع المغربي لم ينقطع بعد عن طقوسه الرمزية الشاملة، بل لا يزال يبحث داخلها عن المعنى والتوازن، وعن نوع من الاستقرار الروحي والاجتماعي في زمن التحولات”. ومن الناحية الاجتماعية، أبرزت الباحثة نفسها أن لهذه العادة وظيفة نفسية مهمة لدى الكثيرين، معتبرة أنها “تخفف من وطأة الخسارة وتمنح الأفراد فرصة للتنفس العاطفي”.




