اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-08 23:00:00
وفي إطار الحراك المجتمعي الذي يسبق المراكز الانتخابية، استضافت “دار فكيك” في المدينة ندوة فكرية موسعة تناولت موضوعا في غاية الأهمية تحت عنوان: “الشباب والمشاركة السياسية: نحو تعزيز المشاركة الفعالة في الانتخابات المقبلة”. وجاءت هذه المبادرة بعد تنسيق مشترك بين “جمعية الشباب المبدع الثقافي والاجتماعي” و”مؤسسة أصدقاء فجيج”، بهدف خلق منصة تفاعلية لفتح نقاش عام جاد ومسؤول حول سبل التغلب على حالة النفور وتفعيل انخراط الشباب في تيار الحياة السياسية. وشهد اللقاء الذي عقد في أجواء نقاشية مفتوحة، حضورا كبيرا وتفاعلا ملحوظا من قبل عدد من الناشطين المجتمعيين والأكاديميين والمهتمين بالشأن العام المحلي والوطني، إضافة إلى حضور واسع من شباب وشابات المنطقة. وشكلت الندوة مساحة واسعة لتبادل الرؤى وتشخيص الواقع ودراسة التحديات الحقيقية التي تعوق الشباب عن دخول ساحة العمل السياسي، فضلا عن بحث الآليات العملية لتعزيز حضورهم الكبير داخل المؤسسات المنتخبة ومختلف فضاءات صنع القرار. في بداية النقاش، قدم الدكتور عمر عنان مداخلة تأطيرية شاملة، أكد فيها على أن قضية مشاركة الشباب في الحياة السياسية لا ينبغي أن تقدم كترف فكري أو مجرد شعار موسمي، بل هي قضية محورية ترتبط ارتباطا وثيقا بصلابة ومستقبل البناء الديمقراطي لأي أمة. وشدد الدكتور عنان على أن التوصيف الدقيق للشباب يتجاوز مجرد كونهم فئة ديموغرافية وعمرية واسعة ضمن الهرم السكاني، ليجعل منهم “قوة حيوية ضاربة” ذات قدرة فعلية على قيادة قاطرة التجديد والتغيير الإيجابي. وأوضح المداخلة أن الأجيال الصاعدة تعتبر خزانا لا ينضب من الأفكار المبتكرة والطموحات المشروعة التي من شأنها، إذا ما استخدمت بشكل صحيح، أن تساهم في خلق الحياة العامة وتطويرها. واعتبر أن انخراط هذه الفئة في العمل السياسي ليس مجرد حق دستوري، بل ركيزة أساسية لضمان تجديد النخب وضخ دماء جديدة في شرايين إدارة الشأن العام، مما ينعكس إيجابا على تعزيز جسور الثقة المفقودة بين المواطنين والمؤسسات. ورغم الأهمية البالغة لهذه المشاركة، إلا أن الدكتور عنان، في تشخيصه للواقع، لم يغفل الإشارة إلى أن مستويات المشاركة السياسية للشباب لا تزال دون سقف التطلعات المنشودة. ويتجلى هذا النقص بوضوح في انخفاض معدلات الإقبال على صناديق الاقتراع، وضعف المشاركة العضوية في الهياكل الحزبية، والغياب شبه الكامل عن دوائر صنع القرار العليا. وأرجع الباحث هذا التردد إلى منظومة معقدة من العوامل المتداخلة، أبرزها تراجع مستوى الثقة بجدوى العمل السياسي والمؤسسات الحزبية، إضافة إلى تأثيرات الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل أولويات الشباب تقتصر على البحث عن الاستقرار المهني والمعيشي بعيدا عن هموم السياسة. كما توقف عند مشكلة أساسية تتمثل في محدودية، بل وغياب، التأطير السياسي ومساحات التكوين القادرة على جذب الشباب وتنمية وعيهم. وفي مقاربة سوسيولوجية لافتة، ركزت المداخلة على التحولات الجذرية التي شهدها مفهوم “المشاركة” في ظل الطفرة التكنولوجية والانتشار الكاسح لوسائل التواصل الاجتماعي. وأشار إلى أن هذه المنصات الافتراضية تحولت إلى مساحات بديلة وأساسية لتشكيل الوعي السياسي لدى الشباب، حيث أتاحت لهم هوامش واسعة للتعبير عن آرائهم وتبادل الأفكار ورصد القضايا العامة مع انتقادات لاذعة أحيانا. وسلط الضوء بشكل خاص على ما يعرف بـ”جيل Z” (الجيل الذي نشأ في قلب الثورة الرقمية)، موضحا أن هذا الجيل أسس لأنماط جديدة وغير تقليدية من التعبئة والاحتجاج والمشاركة، مثل إطلاق الحملات الرقمية والوسوم والتوقيع على العرائض الإلكترونية، معتبرا أن هذه الأشكال التعبيرية لم تعد مجرد تفاعلات افتراضية، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من المشهد السياسي المعاصر المؤثر في الرأي العام. وأمام هذا الزحف الرقمي، وجه الدكتور عنان رسالة واضحة للأحزاب السياسية والنخب الفكرية، حذر فيها من استمرار لغة التواصل “القديمة”، داعياً إلى ضرورة القطيعة مع الأساليب التقليدية، ومراجعة آليات التواصل مع الأجيال الجديدة من خلال اعتماد خطاب سياسي واقعي وشفاف قريب من هموم الشباب اليومية، مع ضرورة استيعاب التكنولوجيا الحديثة واستخدامها كأداة للتواصل الفعال. ورغم إشادةه بالأدوار الرائدة للفضاء الرقمي، أكد المتحدث أن “النضال الافتراضي” لا يمكن أن يحل محل العمل السياسي المنظم على الأرض، مؤكدا أن الأحزاب السياسية ستبقى، في كل الأنظمة الديمقراطية، الإطار المؤسسي الطبيعي والشرعي لممارسة السياسة، نظرا لأدوارها الدستورية في تأطير المواطنين، وهيكلة النقاش العام، وصياغة البرامج والبدائل. ودعا في هذا الصدد إلى ثورة داخلية في العمل الحزبي، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام المواهب الشابة، وتحويل مقرات الحزب من مجرد محلات انتخابية إلى «مدارس حقيقية» للنقاش الديمقراطي وخلق نخب قادرة على تحمل مسؤوليات الإدارة المحلية والوطنية. وعلى المستوى التشريعي، أقر المداخلة بأن الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات في المغرب شهد تطورات إيجابية تهدف إلى تحفيز الشباب (مثل نظام المحاصصة وخفض سن التصويت والترشح)، لكنه ذهب إلى التأكيد على أن الترسانة القانونية وحدها تظل غير مكتملة وعاجزة عن إحداث التغيير المنشود، ما لم تصاحبها إرادة سياسية حقيقية وديناميكية مجتمعية تكسر حاجز الخوف واللامبالاة. وفي ختام هذه المداخلة التي أعقبها نقاش تفاعلي ثري من قبل الحضور، خلص الدكتور عنان إلى أن الرهان على المستقبل الديمقراطي يعتمد بالدرجة الأولى على مدى قدرة الدولة والمجتمع والأحزاب على صياغة عقد جديد يدمج الأجيال الصاعدة في قلب الدورة السياسية. وشدد على أن التحدي الأكبر المطروح اليوم لا يقتصر فقط على دفع الشباب إلى صناديق الاقتراع، بل يكمن في إحداث انتقال نوعي يحول الشباب من مجرد “تابعين سلبيين” للحياة السياسية أو “مستهلكين” للمحتوى الرقمي، إلى “فاعلين أساسيين” وشركاء حقيقيين في صنع القرار ورسم السياسات العمومية وبناء مغرب ديمقراطي يتسع للجميع.




