اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-09 20:09:00
عندما تكون صفقة تبادل الأسرى خارج القانون الدولي د. أمين العلياني في ظلمات الصراع الدائر في اليمن والجنوب الذي أنهك الأرض وأدمى القلب وأضاعت علامات الحق بين ركام المصالح الضيقة، تبرز بين الحين والآخر مشاهد العبث السياسي والقانوني، كاشفة هيمنة منطق الهيمنة والسلطة على منطق الشرعية والعدالة، ومعلنة بصوت أجش أن بعض ما يقدم للعالم تحت رايات السلام والصفقات الإنسانية ما هو إلا لا شيء سوى قنابل موقوتة مزروعة في خاصرة القانون الدولي الإنساني، تهدد بتقويض الأعراف والقواعد الراسخة التي حمت – وما زالت تحمي – ضحايا الحروب من ظلم المنتصر وغطرسة المسلح. ومن أفظع ما يمكن أن يصيب شعوب الأرض أن تتم المساومة على دماءهم، وتباع آلامهم في أسواق النفوذ والمناورات الإقليمية والدولية، وأن يجد القتلة والمجرمون من يرفع سيف القصاص العادل عنهم بحجة الأسرى الكذبة والافتراء، في مشهد لا يرقى إلى روح اتفاقيات جنيف. بصل. بل هو انقلاب مروع على جوهرها الإنساني النبيل. تدفقت المياه العكرة في أنهار المفاوضات الجارية بوساطة سلطنة عمان وبالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، لتؤدي – ظاهريا – إلى ترتيبات لصفقة تبادل مرتقبة بين مليشيات الحوثي وحكومة توصف بالشرعية، لكنها نازحة عن أرضها، ذات هيكلية مهزوزة. وهي مستثناة من حاضنتها الطبيعية، ويغيب عنها صوت الجنوب العربي وشعبه، الذي كان ولا يزال أول من ذاق كأس الظلم والتنكيل على يد تلك المليشيات، وتتخلى تلك الحكومة عن التزاماتها الإنسانية والخدمية والمعيشية والحلول السياسية. ورغم عدم الإعلان رسميا عن هوية الأشخاص الذين تصر مليشيات الحوثي على إدراجهم في قوائم الأسرى، إلا أن القوائم المسربة انتشرت كالنار في الهشيم، وتحمل بين سطورها أسماء مفجعة وتجرح الضمير، كاشفة عن حقيقة صادمة مفادها أن عددا غير قليل من هؤلاء المطلوبين لا ينطبق عليهم. – وفقا لوضعهم القانوني الراسخ – وضع أسرى الحرب وليس وضع المحتجزين لأسباب تتعلق بالنزاع المسلح. بل هم مدانون أو متهمون في قضايا إرهابية وإجرامية بشعة هزت الأرض وأزهقت أرواحاً وسفكت الدماء الفاحشة غدراً وعنفاً، بما في ذلك جرائم القتل والتفجيرات المروعة. ووصلت أحكام قضائية صدرت بحق بعضهم إلى الإعدام، وعلى رأسهم القائد الجنوبي اللواء ثابت مثنى جواس الردفاني، ورفاقه الأبطال في الحرس، حرس وزير الدولة ومحافظ عدن الأسبق أحمد حامد لملس، وغيرهم ممن سفكت دماءهم أو ازهقت أرواحهم بالغدر والإثم والعدوان. إن مكانة أسير الحرب في قاموس القانون الدولي الإنساني ليست لقباً فخرياً يُفرض تعسفياً على أكتاف كل من تطالب به مليشيات مسلحة خارج الدولة، كما أنها ليست أداة عفو تمحو جرائم الإرهاب وسفك الدماء. بل هو وضع قانوني يُكتسب بناءً على سبب الاحتجاز والغرض منه، وليس بناءً على هوية الشخص. الشخص أو انتمائه السياسي أو انتمائه العقائدي. ولا يكتسب أي إنسان هذه المكانة القانونية الرفيعة بمجرد طلب إطلاق سراحه من أحد أطراف النزاع والصراع. بل يجب عليه أن يستوفي الشروط الدقيقة المنصوص عليها في نصوص اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 المتعلق بالنزاعات الدولية، والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني التي تصل إلى حد اليقين. وأسير الحرب، بروح هذه الاتفاقيات ونصوصها، هو المقاتل الذي يقع في الأسر أثناء المواجهات المسلحة أو بسببها، وليس القاتل المأجور الذي يسمم العسل، ويفجر بيوت الآمنين، ويسفك دماء الأبرياء في ظلمة الليل المظلمة وفي الأزقة والطرق العامة. إن الخلط المتعمد بين هاتين الفئتين المتناقضتين في الجوهر والهدف، ليس مجرد خطأ إجرائي أو سوء فهم للقانون، بل هو جريمة معقدة تصادر الحق في العدالة، وتجعل من صفقات التبادل ذريعة للإفلات من العقاب، وغطاء لإعادة إنتاج العنف والإرهاب. وإذا ثبتت صحة هذه الكشوفات المسربة، فإن المشهد سيصبح أكثر قتامة وإيلاماً، إذ إن إدراج المدانين بجرائم جنائية وإرهابية في صفقات التبادل يطرح أسئلة قانونية وجودية تمس جوهر الشرعية الدولية، ويطرح إشكالية مدى توافق هذه الممارسات مع الأعراف. والقواعد المنظمة لتبادل الأسرى. وتخص هذه الصفقات، من حيث المبدأ وذات أصل تاريخي وتشريعي، حصراً الأشخاص الذين ينطبق عليهم الوضع القانوني للأسرى أو المعتقلين المرتبطين بأسباب النزاع المسلح، ولا تمتد مظلتها – بأي حال من الأحوال – لتشمل المدانين بجرائم إجرامية بحتة، ما لم ينص اتفاق قانوني أو سياسي صريح على خلاف ذلك، وفي ظروف لا تنتهك مبادئ العدالة الأساسية. إن جر هؤلاء المجرمين إلى دائرة السجناء ليس إلا تحريفاً خطيراً لنصوص القانون، وتقويضاً ممنهجاً لهيبة القضاء، واستخفافاً صارخاً بدماء الضحايا الذين ما زالت عظامهم تنبض في تراب الجنوب العربي، تطالب بالقصاص العادل الذي لا يسقط بالتقادم، ولا يباع في سوق المساومة السياسية. ولا يقف الأمر بجوهره المأساوي عند حدود هذه الانتهاكات القانونية الجسيمة، بل يمتد ليكشف عن خلل سياسي مقزز، يتمثل في إقصاء الجنوب العربي وقضيته العادلة من المشهد التفاوضي برمته، وكأنما يريد أهل الأرض أن يكونوا غرباء في أوطانهم، لا يستشيرون ولا يستأذنون. بل تباع دماءهم وتشترى حرية قتلتهم من وراء ظهورهم، بموافقة حكومة نازحة اهتزت شرعيتها القانونية إلى حد أنها نأت بنفسها عن حاضنتها الشعبية واستثنت شركائها في الدم والمصير. إن أي تسوية تبنى على أنقاض حقوق الجنوبيين، وتتجاهل أحكام القضاء العادلة، وتمنح القتلة والمجرمين مذكرات الحرية بناء على صفقات الأسرى، هي تسوية سامة لا تنتج السلام، بل تؤجج نار الانتقام وتزرع بذور صراع قادم سيكون أكثر شراسة وتدميرا. ومن هنا فإن السلام الحقيقي لا يولد من رحم الخيانة بالدم، ولا يقوم على أجساد الشهداء بحجج إنسانية كاذبة. بل يبنى على صخرة العدل الصلبة، ويروي بماء القصاص الذي يطفئ لهيب القلوب الثكلى. ونحن إذ نكتب هذه السطور بحبر الألم والغضب المقدس، نعلنها صرخة مدوية في وجه كل من يجرؤ على العبث بمصائر الشعوب ومصير الأمم: القانون الدولي الإنساني ليس مجرد نصوص عمياء محفوظة في أدراج المنظمات ويتم استدعاؤها عند الحاجة. لاستخدامها بطريقة سياسية ملتوية. بل هو ضمير الأمم الحي وسورها المنيع ضد الفوضى والعبث. الجنوب العربي الذي قدم دماءه الطاهرة فداءً في معركة الدفاع عن الأرض والعرض، لن يسمح بمصادرة تضحياته، ولن يقبل أن يعفو عن قتلته بالحرية أمام أعين العالم وأعينه، في صفقة تهين فيها العدالة وتهين كرامة شعب يرفض أن يكون حراً شامخاً. وليعلم الجميع أن صوت الحق في جنوبنا العربي لن يخفت على ضجيج المصالح، وأن شعلة المطالبة بالقصاص للشهداء ستظل مشتعلة حتى يأذن الله بيوم تعاد فيه الحقوق، ويقام فيه ميزان العدل، ويسحق فيه رأس الباطل والطغيان.



