اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-01 22:37:00
في قراءة نقدية لمبادرة تشريعية لإلغاء انتخاب رؤساء الجامعات واستبدالها بآلية التعيين الإداري، كتب الصحفي فهيم بوكدوس ما يلي: أحال مكتب مجلس نواب الشعب، الخميس الماضي، إلى لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والبحث العلمي والشباب والرياضة بالمجلس، مبادرة تشريعية لإعادة النظر في آلية انتخاب رؤساء الجامعات. يمثل مشروع إلغاء انتخاب رؤساء الجامعات واستبداله بآلية التعيين الإداري نقلة نوعية في منطق تنظيم التعليم العالي، لا يمكن فهمها خارج السياق السياسي والمؤسساتي العام الذي تعيشه تونس. ولا تتعلق المسألة بتقنية قانونية أو خيار إداري بديل فحسب، بل تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والجامعة، والحدود بين الإشراف العام الشرعي والتبعية السياسية للمؤسسات الأكاديمية. لقد ثبت في التجارب المقارنة، خاصة في أوروبا، أن انتخاب رؤساء الجامعات أو اعتماد آليات الاختيار التشاركية ذات الشرعية الداخلية، يعد من الركائز الأساسية لضمان استقلال المؤسسة الجامعية. ففي فرنسا، على سبيل المثال، ينص قانون التعليم العالي والبحث العلمي على أن رئيس الجامعة يتم انتخابه من قبل مجلس الإدارة، وهو مجلس تمثيلي يضم الأساتذة والباحثين المنتخبين، وممثلي الطلاب، والإداريين، بالإضافة إلى شخصيات خارجية. ويشترط على المرشحين تقديم مشروع متكامل لإدارة الجامعة، والذي سيتم مناقشته علناً داخل هياكل الجامعة. ورغم الانتقادات التي وجهت أحياناً لهذا النظام، إلا أن العودة إلى التعيين لم تطرح كحل. بل تم تعزيز آليات التقييم وربط الصلاحيات بالمساءلة، اعترافا بأن شرعية القيادة الجامعية شرط لفعالية الإصلاح. وفي إسبانيا، ينظم القانون الأساسي للجامعات (Ley Orgánica de Universidades) آلية انتخاب رؤساء الجامعات من قبل مجتمع الجامعة، بنسب متفاوتة من التمثيل بين الأساتذة والطلاب والإداريين، ولكن مع أولوية واضحة للأساتذة الباحثين. وقد أظهرت دراسات التقييم أن هذا النظام، على الرغم من تعقيداته، مكّن الجامعات الإسبانية من الحفاظ على هامش من الاستقلال الفعلي في صياغة سياساتها البحثية والتربوية، حتى في فترات الأزمات الاقتصادية أو تغيير الحكومات. فالقيادة المنتخبة، بحكم ارتباطها بالشرعية الداخلية، هي أقل عرضة للضغوط السياسية المباشرة. أما في إيطاليا، فينص قانون إصلاح الجامعات (قانون جيلميني لعام 2010) على انتخاب رؤساء الجامعات من داخل المجتمع الأكاديمي، بشروط صارمة تتعلق بالكفاءة العلمية والخبرة الإدارية، ومدة ولاية محددة لا يمكن تجديدها أكثر من مرة. ورغم الطبيعة التقشفية للإصلاح، إلا أن مبدأ الانتخاب لم يتم المساس به، لأن المشرع الإيطالي اعتبر أن الجامعة لا تستطيع أداء وظيفتها النقدية والعلمية إذا تحول رئيسها إلى مسؤول رفيع يخضع لمنطق التعيين السياسي. وتظهر هذه الأمثلة أن البلدان التي تسعى إلى تطوير أنظمتها الجامعية لا تتجه نحو مركزية صنع القرار، بل نحو توازن دقيق بين الاستقلال والمساءلة، من خلال آليات انتخابية أو تشاركية تضمن مشاركة الجهات الأكاديمية في الحكم. في المقابل، تسجل التجارب التي تعتمد على التعيين المركزي البحت -خاصة في السياقات الاستبدادية- تراجعًا في الثقة داخل الجامعة، وضعفًا في المبادرة البحثية، وتحول المؤسسة إلى مساحة للامتثال بدلاً من مساحة للتفكير والنقد. وفي هذا السياق، يحظى المشروع التشريعي التونسي بأهمية سياسية خاصة. فهو لا يأتي من فراغ، بل في سياق يتسم بتراجع عام في آليات المشاركة، وتهميش متزايد للهيئات الوسيطة، وتضييق الفضاء العام والنقابي. ومن هنا، يُقرأ إلغاء الانتخابات داخل الجامعة كجزء من منطق أوسع يهدف إلى إعادة مركزية صنع القرار، ليس فقط في المجال السياسي، بل أيضاً في المجالين المعرفي والثقافي. فالجامعة بما تمثله من مساحة لإنتاج الخطاب النقدي، تظل بطبيعتها غير قادرة على التدجين الكامل، وهو ما يفسر محاولة السيطرة عليها من خلال آليات التعيين وليس آليات الشرعية الداخلية. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن تجربة انتخاب رؤساء الجامعات في تونس، رغم نواقصها، شكلت أحد مكاسب ما بعد 2011، إذ اعترفت في البداية بحق الأسرة الجامعية في اختيار من سيقود مؤسساتها، وربطت مسؤولية الجامعة بالبرنامج والمساءلة. وإذا كانت هذه التجربة قد أدت أحياناً إلى صراعات أو ضعف أداء، فإن ذلك لا يبرر إلغاءها، بل يتطلب إصلاحها من خلال تطوير شروط الترشح، وتعزيز ثقافة التقييم، وربط القيادة بالعقود ذات الأهداف الواضحة، كما يتم في التجارب المقارنة. المشكلة الأساسية في المبادرة التشريعية لا تكمن في مدة الولاية ولا في الصيغة الإجرائية للتعيين، بل في مصدر الشرعية. ويبقى رئيس الجامعة المعين، مهما كانت اختصاصاته، مرتبطا بالسلطة التي عينته، في حين يستمد الرئيس المنتخب قوته من الوسط الأكاديمي، الذي يمنحه هامشا أوسع للدفاع عن استقلال المؤسسة وحرية البحث والتعليم. وما يزيد من صحة التحفظ على هذا المشروع هو أن المشكلة لا تتوقف عند تعيين رؤساء الجامعات في حد ذاته، بل مع ما قد يفتحه من أفق تشريعي وإداري أخطر، وهو تعميم منطق التعيين على بقية هياكل التعليم العالي، وخاصة عمداء الكليات ومديري المعاهد. إن القبول بمبدأ التعيين على أعلى مستويات التسلسل الهرمي الجامعي من شأنه أن يخلق سابقة قانونية تسهل فيما بعد تبرير إلغاء ما تبقى من آليات الاختيار التشاركي داخل المؤسسات الجامعية. وفي هذه الحالة، نحن لسنا أمام تعديل محدود، بل أمام إعادة هندسة شاملة لنظام حوكمة الجامعة، بما يؤدي إلى إخضاع التسلسل القيادي برمته لمنطق اتخاذ القرار المركزي. وهو المسار الذي إذا ترسخ سيؤدي إلى إفراغ المجالس العلمية والتربوية من دورها الفعلي، وتحويلها إلى هياكل استشارية شكلية، مما يؤثر بشكل مباشر على مناخ الحرية الأكاديمية ويضعف قدرة الجامعة على القيام بدورها النقدي والعلمي. ومن ثم، فإن خطورة المشروع لا تكمن فقط في محتواه المباشر، بل في الديناميكية التي قد يطلقها، وفي التهديد التدريجي الذي يحمله على استقلال المؤسسة الجامعية ككل. وعليه، فإن الحديث عن إلغاء انتخاب رؤساء الجامعات هو، في جوهره، نقاش حول طبيعة الدولة التي يتم بناؤها، وحول موقع الجامعة فيها: هل المقصود منها أن تكون فضاء عمومياً مستقلاً، مشاركاً في النقاش الوطني، أم منشأة إدارية تدار بمنطق الطاعة والانسجام؟ “في سياق تونسي يتسم بتقلص المساحات الديمقراطية، يصبح الدفاع عن الانتخابات داخل الجامعة دفاعا عن أحد آخر معاقل المشاركة والشرعية الداخلية، وعن فكرة الجامعة كمؤسسة نقدية وليس مجرد هيئة تنفيذية”. فاهم بوكدوس



