اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-07 19:00:00
خالد المطلق عندما تنتهي الحروب وتسكت البنادق، يتحول الاهتمام الدولي والمحلي تلقائياً إلى أنقاض المدن وخطط إعادة الإعمار ومؤشرات التعافي الاقتصادي. ومع ذلك، فإن المعضلة الأكثر عمقا وجوهرا في وعي المجتمعات الخارجة من أتون الصراع لا تتعلق بالبنية التحتية، بل بمصير الناس الذين ابتلعتهم دورات العنف المنهجي. في المشهد السوري، يتصدر ملف الاختفاء القسري القضايا الحقوقية والسياسية باعتباره الجرح الأكثر نزيفا، ليس لكثرة أعداده فحسب، بل لأنه يؤثر بشكل مباشر على العقد الاجتماعي، ويصطدم بمفاهيم العدالة والذاكرة الجماعية، ويرهن مستقبل البلاد بإرث ثقيل من الانتهاكات. ومن المعروف أنه على مدى أكثر من 14 عاماً، تعرض عشرات الآلاف من السوريين للاختفاء داخل أقبية السجون والمعتقلات السرية، ولم يتم عزل الأطفال عن هذه المحرقة الإنسانية، إذ فُقدت آثار أعداد كبيرة منهم مع عائلاتهم أو انفصلت عنهم في ظروف أمنية وعسكرية بالغة التعقيد والغموض. اليوم، وعلى الرغم من التحولات الهيكلية الشاملة التي عصفت بالمنظومة الأمنية والمشهد السياسي برمته، إلا أن أسئلة جوهرية لا تزال دون إجابات شافية، وفي مقدمتها السؤال الأكثر وضوحا. القسوة أين اختفى هؤلاء الأطفال؟ وتتجلى هذه المأساة بشكل واضح في قضية الطبيبة السورية وبطلة الشطرنج السابقة رانيا العباسي، التي اعتقلتها الأجهزة الأمنية عام 2013 مع زوجها وأطفالها الستة. وعلى مر السنين، أصبحت هذه العائلة أيقونة تلخص معاناة آلاف العائلات التي تعيش على أمل ضعيف في رؤية أحبائها. ولم تكمن المعاناة في غياب المعلومات فقط، بل في سياسة الصمت والإنكار الممنهجة التي اتبعتها السلطات فيما يتعلق بمصير الأسرة بأكملها. إلا أن التطورات الميدانية والتحقيقية الأخيرة أعادت فتح هذا الملف الإنساني. الأمر مفتوح على مصراعيه، إذ تشير المعطيات التي تم جمعها خلال الأشهر القليلة الماضية إلى احتمال تصفية الأطفال الستة بعد القبض عليهم، وسط مؤشرات قوية تربط الجريمة بالضابط السابق أمجد يوسف، المتورط الرئيسي في مذبحة التضامن الشهيرة. ورغم أن الوصول إلى الحقيقة المطلقة يحتاج إلى تحقيق قضائي مستقل ومحايد، إلا أن هذه المؤشرات الصادمة ذكّرت المجتمع السوري بحجم المآسي المدفونة في أرشيف المفقودين. الأبعاد التحليلية لقضية رانيا العباسي لا تتوقف عند حدودها، بل تكشف عن نمط بنيوي مرعب بسبب احتمال وجود مئات الحالات المماثلة التي لم تجد طريقها إلى النور بعد. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة وشفافة، وفقدان الآليات المؤسسية القادرة على تتبع مسارات الأطفال المفقودين أو المشتتين بسبب العمليات العسكرية المتتالية. تفتح هذه الفوضى الوثائقية الأبواب أمام فرضيات وأسئلة مشروعة تتجاوز حدود الاعتقال السياسي والقتل المباشر، حيث تشير التقييمات الحقوقية إلى أن غياب سيادة القانون وسيولة الأمن عبر الحدود قد وفرت بيئة خصبة لشبكات الجريمة المنظمة، وهناك فرضيات قوية تدور حول إمكانية تحول بعض هؤلاء الأطفال ضحايا لشبكات الاتجار بالبشر أو استغلالهم في أنشطة غير مشروعة، بما في ذلك تجارة الأعضاء البشرية. وهذه الفرضيات، وإن لم تصل بعد إلى مستوى اليقين القانوني، فإن مجرد طرحها يحتاج إلى إجراءات قضائية حاسمة لإثبات الحقائق من خلال تحقيقات دولية ومحلية مستقلة محمية من التسييس. وفي السياق نفسه تبرز مشكلة المسؤولية القانونية والأخلاقية للمؤسسات العمومية. وعلى وجه التحديد المكلفين بحماية الطفل والرعاية الاجتماعية. خلال سنوات النزاع، كان هناك تعتيم مطلق على مصير الأطفال المنفصلين عن ذويهم وآليات إيوائهم. ومع تغير الخريطة السياسية، لم يعد مقبولاً ترك هذه القضية رهينة التسويات المؤقتة أو الغموض البيروقراطي. ولا يقتصر التحدي الحقيقي الذي يواجه سلطات الدولة في الفترة الانتقالية على تفكيك إرث الماضي فحسب، بل يمتد إلى إعادة بناء الجسور مع المجتمع الذي فقد الثقة في الدولة كضامن للأمن. ولا بد أن تبدأ هذه العملية حتما من خلال إجراءات جذرية تشمل فتح الأرشيف الأمني الرسمي، ومراجعة سجلات دور الرعاية والمؤسسات الإغاثية، والتعاون الوثيق مع الآليات الدولية ذات الصلة، بما يؤدي إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة لشؤون المفقودين تتمتع بالصلاحيات السيادية والإمكانيات اللوجستية لكشف مصير الضحايا، واستبعاد جميع موظفي الوزارة. الشؤون الاجتماعية في عهد النظام السابق، وخاصة الذين كان لهم دور بارز في ملف دور الأيتام بمختلف مناصبهم، حتى لو انشقوا عن نظام الأسد، مع الحذر من تكليفهم بأي مهمة بخصوص هذه القضية أو أي من لجان تقصي الحقائق. ومن هذا المنطلق فإن “العدالة الانتقالية” تتجاوز كونها ترفًا قانونيًا أو خيارًا سياسيًا لتصبح ضرورة وجودية للسلم المدني. العدالة في سياقها الأكاديمي والعملي لا تعني الانزلاق في دوائر الانتقام، بل هي الإطار القانوني والمجتمعي الذي يضمن تفكيك بنيات العنف دون إعادة إنتاجه. تؤكد التجارب الدولية المعاصرة أن الاستقرار المستدام لا يمكن «شراؤه» بفرض التسامح القسري أو مطالبة الضحايا بالنسيان، بل يمر حتماً عبر مربع الاعتراف والمحاسبة والجبر وضمان عدم التكرار. لقد دفعت سورية ثمناً إنسانياً فادحاً وغير مسبوق في التاريخ الحديث، لكن التكلفة الأكثر تدميراً للمستقبل ستكون في إبقاء هذه الملفات معلقة خلف جدران الصمت. قد تتمكن المجتمعات من التعايش مع الأزمات الاقتصادية الخانقة والانكماش السياسي، لكنها غير قادرة بنيويا على التعايش مع الإنكار وغياب العدالة. ويجب أن ندرك أن ملف الأطفال المفقودين ليس مجرد قضية حقوقية معزولة، بل هو الاختبار الأخلاقي والسياسي الأكبر لقدرة سوريا على دخول عصر دولة القانون والمؤسسات، وقبل الخوض في أدبيات المصالحة الوطنية أو مشاريع الترميم. إعادة الإعمار: يبقى هناك واجب وجودي لا يمكن تجاهله، وهو كشف الحقيقة كاملة، إذ لا يمكن بناء مجتمع مستقر على قبور مجهولة أو بناء مستقبل على أنقاض مصائر مخفية قسراً. ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى



