اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-17 13:42:00
وقف عابد العبد وسط أرضه في مزرعة كبش شمال الرقة، يتأمل سنابل القمح التي اقترب موعد حصادها، لكنه هذه المرة لم يكن يتحدث عن وفرة الموسم أو جودة المحصول، بل عن الخسارة التي تنتظره في نهاية العام الزراعي. ويقول الرجل الذي أمضى سنوات طويلة في زراعة القمح، إن الأرض لم تعد تمنح أصحابها نفس الطمأنينة. ومع الارتفاع المستمر في أسعار الأسمدة والبذور والوقود، يشعر المزارعون أن كل موسم جديد يدفعهم خطوة إضافية نحو التخلي عن الزراعة. وفي مدينة الرقة، احتج عشرات المزارعين والأهالي، اليوم الأحد، رافضين سعر القمح المحدد بـ 46 ألف ليرة سورية للطن من العملة الجديدة، أي ما يعادل نحو 340 دولاراً، معتبرين أن السعر لا يغطي حتى تكاليف الإنتاج الأساسية. بالنسبة للعديد من المزارعين في الجزيرة السورية، لا يبدو الأمر مرتبطًا بمحصول زراعي فقط، بل يكاد يكون مصدر الرزق الوحيد في منطقة تعتمد فيها غالبية الأسر على الزراعة بشكل مباشر أو غير مباشر. وفي حديثه لسورية 24 يشرح عابد العبد تفاصيل الخسارة بلغة الأرقام التي يحفظها المزارعون جيداً. ويقول: “تكلفة إنتاج الدونم الواحد تجاوزت 110 دولارات، في حين أن إنتاجه في أفضل الأحوال لا يتجاوز 400 كيلوغرام”. ثم أضاف بصوت هادئ يخفي الكثير من الإرهاق: «مع تكاليف الحصاد والنقل تصبح الخسائر حتمية.. نبيع القمح بأقل من تكلفته». وفي القرى المحيطة بالرقة، حيث تمتد الحقول لمسافات طويلة، تغيرت محادثات المزارعين في السنوات الأخيرة. وبدلا من الحديث عن الأمطار والمواسم، أصبح الحديث يدور حول أسعار الأسمدة والمازوت والديون المتراكمة. وفي قرية رويان يتحدث المزارع ياسر السعود عن موسم يصفه بـ”الأصعب منذ سنوات”. ويقول إن أسعار المستلزمات الزراعية ارتفعت بشكل غير مسبوق مقارنة بالعام الماضي، موضحا أنه تم بيع طن الأسمدة بنحو 450 دولارا، فيما وصل هذا العام إلى نحو 800 دولار. أما المازوت الذي كان مدعوماً في السنوات السابقة، فيتجاوز سعره اليوم 12 ألف ليرة سورية، ما يجعل تشغيل المضخات والآلات الزراعية عبئاً إضافياً على المزارعين. ويقول آل السعود: “مع هذه التكاليف وهذا السعر لا يمكن الاستمرار”، قبل أن يضيف أن الكثير من المزارعين يفكرون جدياً في ترك زراعة القمح، رغم ارتباطهم الطويل بالأرض. وقد بدأ هذا التراجع يظهر بشكل واضح في المناطق المزروعة. ويقول رئيس الجمعية الزراعية بكبش عبود الخلف، إن الأراضي المزروعة بالقمح هذا العام لم تتجاوز 30% من المساحات المستهدفة للزراعة الشتوية، بعد أن كانت النسبة المفترضة نحو 75%. ويرى الخلف أن ما يحدث لا يعكس أزمة موسمية مؤقتة، بل يعكس عزوفًا متزايدًا عن زراعة المحصول الذي عرف منذ عقود بـ”ذهب شبه الجزيرة السورية”. ويحذر من أن استمرار الخسائر قد يؤدي تدريجياً إلى انخفاض المساحات المزروعة خلال السنوات المقبلة، وربما اختفاء بعض المحاصيل كما حدث سابقاً مع القطن وبنجر السكر. وفي الرقة، حيث تعتمد غالبية الأسر على الزراعة كمصدر أساسي للدخل، يخشى الكثيرون من أن تمتد الأزمة إلى ما هو أبعد من الحقول. والتدهور الزراعي لا يؤثر على المزارعين وحدهم، بل يؤثر أيضا على الأسواق والعمال والمواصلات وحياة قرى بأكملها. ويؤكد المزارعون أن أكثر من 85% من سكان المنطقة يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على القطاع الزراعي، ما يجعل أي خسارة في هذا القطاع تهديداً واسع النطاق لاستقرار سبل العيش. وقال أحد المتظاهرين: “الخوف اليوم لم يعد مجرد خسارة موسم، بل فقدان القدرة على البقاء في هذه الأرض”. وبينما تجمع المتظاهرون في الرقة للمطالبة بإعادة النظر في سعر القمح، أصبح من الواضح أن الكثير منهم لا يدافعون عن محصول زراعي فحسب، بل عن أسلوب حياة كامل تشكلت حوله مدن وقرى شبه الجزيرة السورية لعقود طويلة.




