اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-28 14:05:00
تبقى قضية المفقودين في مدينة الرقة من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً وإيلاماً، حيث تعيش مئات العائلات حالة انتظار طويلة بحثاً عن أي معلومات تكشف عن مصير أحبائهم المفقودين. ووسط أنقاض الحرب وتغير القوى التي سيطرت على المدينة خلال سنوات الصراع، اختفت آثار الكثيرين، فيما ظلت صورهم حاضرة في المنازل والذاكرة الجماعية لسكانها. يروي علي الزاهر، متقاعد ستيني من سكان الرقة، قصة فقدان شقيقته عام 2017 في ذروة العمليات العسكرية التي شهدتها المدينة. يقول: “أختي مفقودة منذ عام 2017.. فقدت في منطقة مزرعة ميسلون نتيجة القصف الذي استهدف المكان”. ويتذكر تفاصيل إصابتها ونقلها إلى مشفى الرقة الوطني، موضحاً: “أصيبت أختي وزوجها نتيجة القصف، وتم نقلهما إلى مدينة الرقة، وبقي زوجها في حالة وفاة سريرية قرابة شهرين، خلال فترة تزامنت مع دخول قوات التحالف والقوات المتحالفة معه إلى المنطقة”. وكانت أخته أم لسبعة أطفال، أربع بنات وثلاثة أولاد. وبعد وفاة الزوج لاحقاً، انقسم الأبناء بين النزوح والعمل خارج البلاد. ومع تصاعد المعارك في شهر رمضان من العام نفسه، انقطعت الاتصالات معهم بشكل مفاجئ. ويضيف الزاهر: “آخر اتصال كان في الخامس عشر من رمضان تقريبًا، ومنذ ذلك الحين لم نسمع عنها أخبارًا كاملة”. وبعد عودة العائلة إلى الرقة، بدأوا بالبحث عن أي دليل يؤدي إلى مصيرهم. وتشير المعلومات التي حصلت عليها العائلة إلى أنها قد تكون موجودة في منزل يقع شمال دوار البتاني، حيث تم العثور على آثار يعتقد أنها تعود لتلك الفترة. يقول الزاهر: “أخبرنا البعض أنهم وجدوا شخص متوفى داخل المنزل وقاموا بدفنه، وقد عثرنا على أوراق طبية وبقايا أدوية وأمصال، لكن لم نجد دليلاً قاطعاً يحدد مصير أختي”. ومنذ ذلك الوقت ولم تتوقف العائلة عن متابعة القضية، بحسب قوله: “لقد توجهنا إلى كل الاتجاهات الممكنة، لكننا لم نحصل بعد على نتيجة واضحة”. وتم تسجيل قضيتها لدى اللجنة الدولية للمفقودين عبر فرق التوثيق المحلية بهدف الحفاظ على البيانات وإدراجها في سجلات المفقودين، لكن الغموض لا يزال قائما. ورغم مرور السنوات، إلا أن الزاهر يتمسك بالأمل، قائلا: “طالما لم نجد رفاتها أو دليلا رسميا على وفاتها، فإن الأمل لا يزال موجودا، ولن نتوقف عن البحث”. وقصة الزاهر هي واحدة من مئات الحالات المماثلة في الرقة، حيث تشير تقديرات الناشطين المحليين إلى أن عدد المفقودين يتراوح بين 1500 و2000 شخص، مع سيطرة أطراف متعددة على المدينة خلال سنوات النزاع. ومن هذا الألم المشترك، شارك الظاهر مع مجموعة من أهالي المفقودين في تأسيس “جمعية أهالي المفقودين” عام 2020. يوضح: “نحن مجموعة من الناشطين المدنيين من خلفيات مهنية مختلفة، وكلنا أهالي مفقودين، هدفنا البحث عن مصير المفقودين والمخفيين قسرياً والدفاع عن حق أهاليهم في معرفة الحقيقة”. ووثقت الرابطة حتى الآن 127 حالة بشكل تفصيلي، متضمنة البيانات الشخصية لكل مفقود في نماذج خاصة. إلا أن مساعيها للحصول على ترخيص رسمي واجهت صعوبات إدارية حالت دون استكمال الإجراءات القانونية. وبالإضافة إلى العمل التوثيق، نظمت الجمعية تدريبات ومعارض للصور بهدف إبقاء القضية حاضرة في الوعي العام. كما تعمل حالياً على إطلاق مبادرة للدعم النفسي وتقديم المشورة القانونية لأسر المفقودين، نظراً للتبعات الاجتماعية والقانونية المعقدة التي يسببها الغياب، خاصة في مسائل الميراث وإثبات الوفاة والوضع القانوني للزوجات. ويشدد الزاهر على أهمية اعتماد الأساليب العلمية للتعرف على الرفات المستخرجة من المقابر الجماعية، قائلاً: “نطالب بتوفير أجهزة فحص الحمض النووي، حتى تتمكن الأسر من التعرف على رفات أبنائها إن وجدت، حيث تعيش العديد من الأسر حالة انتظار قانونية وإنسانية صعبة بسبب عدم وجود أدلة قاطعة”. بين الأمل والانتظار تستمر معاناة أهالي المفقودين في الرقة. ورغم مرور سنوات على فقدان أحبائهم، إلا أن الزاهر يختصر مشاعرهم بالقول: «الأمل لا ينقطع.. ما لم يتم تأكيد الوفاة رسمياً، سنستمر في البحث والانتظار». تبقى قضية المفقودين في الرقة ملفاً إنسانياً مفتوحاً، يتجاوز الأرقام والإحصائيات، ليعكس معاناة مدينة لا تزال تبحث عن مفقوديها.



