اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-30 15:05:00
لم يكن التحول الأميركي في التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية حدثاً مفاجئاً أو نتاج نزوة سياسية عابرة، بل نتيجة تراكم طويل من الشكوك داخل دوائر صنع القرار في واشنطن حول جدوى الاستمرار في الاستثمار في قوة فقدت تدريجياً مكانتها كـ”شريك موثوق”. العلاقة التي نشأت في ذروة الحرب ضد «داعش» قامت على معادلة وظيفية واضحة: قوة محلية تلعب الدور القتالي، مقابل غطاء سياسي وعسكري أميركي يوفر الشرعية والدعم. لكن مع تراجع التنظيم كتهديد مركزي، بدأت الأسئلة المؤجلة تفرض نفسها بشكل حاد: ماذا بعد الحرب؟ ومن يخدم من في هذه الشراكة؟ وفي هذا السياق، أثارت التصريحات المنسوبة إلى مسعد فارس بولس جدلاً لم يكن جديداً بقدر ما تم قمعه. أهمية هذه التصريحات لا تكمن في حدتها فحسب، بل أيضا في مكانة صاحبها داخل الأوساط الجمهورية المقربة من دونالد ترامب، وانخراطه الطويل في قضايا الشرق الأوسط وشبكات النفوذ الإقليمية. ولم يقدم بولس رواية هامشية أو انطباعاً إعلامياً، بل عبّر عن مزاج سياسي متصاعد داخل حراك أميركي بدأ يرى أن قوات سوريا الديمقراطية لم تعد أداة وظيفية يمكن السيطرة عليها، بل أصبحت عبئاً سياسياً يتراكم الإحراج أكثر مما يحقق المصالح. ويتمحور جوهر هذا الاقتراح حول خلل بنيوي لم يعد بإمكان واشنطن تجاهله، وهو أن القرار داخل قوات سوريا الديمقراطية لم يعد محلياً أو سورياً، بل أصبح خاضعاً لهيكل تنظيمي مرتبط بحزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابياً من قبل الولايات المتحدة نفسها. وقد تمت تغطية هذا التناقض منذ سنوات بحجة محاربة داعش، لكن الاستمرار في العمل عليه بعد سقوط الذريعة أصبح مكلفا على أكثر من صعيد، خاصة في ظل العلاقة المعقدة مع أنقرة، والضغوط المتزايدة داخل المؤسسات الأميركية لإعادة تعريف التحالفات وفق خطوط أكثر وضوحا وأقل رمادية. وما ورد في رواية بولس لم يكن الحديث عن الفساد أو تضخيم الأرقام، بل الإشارة إلى استخدام داعش كأداة وظيفية وليس كعدو وجودي. وهنا يبرز ملف الأعلام التي وجدت داخل مقر قوات سوريا الديمقراطية بعد انسحابها من مناطق بريف دير الزور. ولا يمكن اختزال هذه الحادثة في تفاصيل ميدانية أو حادثة معزولة، لأنها موثقة بمقاطع فيديو داخل المقرات الرسمية، وليس في ساحات المعارك أو في المواقع المهجورة. إن وجود رموز التنظيم الذي يفترض أنه العدو المركزي داخل مقر قوة تستمد شرعيتها الكاملة من قتالها يطرح سؤالاً سياسياً بالغ الخطورة، ولا يمكن تبريره برواية الغنائم التي تسقط أمام أبسط منطق عسكري: الغنائم مكشوفة أو مدمرة، ولا تخزن داخل المقرات بعد الانسحاب. أما الشهادات المحلية التي تحدثت عن استخدام هذه الرموز كوسيلة للترهيب أو كغطاء للعمليات الأمنية، حتى لو لم تحل قضائيا، فإنها تعكس مناخا عاما من فقدان الثقة، وهو أخطر ما يمكن أن تخسره أي قوة تعتمد على الدعم الخارجي. وفي هذا المناخ المشحون، بدت تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، للوهلة الأولى، وكأنها محاولة لإعادة التوازن إلى صورة قوات سوريا الديمقراطية داخل واشنطن. لكن القراءة المتأنية لهذه التصريحات تكشف العكس تماما. ولم يتحدث غراهام عن قوات سوريا الديمقراطية كشريك استراتيجي، ولم يدافع عن بنيتها أو ممارساتها. وبدلاً من ذلك، ركز بشكل حصري على أولوية الاستقرار ومنع حمام الدم الجديد في شمال شرق سوريا. إن تحذيره من الفوضى، وحديثه عن استعداد الكونجرس للمساهمة في الحفاظ على الاستقرار، لا يعكسان تجديداً للثقة، بل خوفاً أميركياً من انهيار لا يمكن السيطرة عليه. وحتى الإشارة إلى حلفاء موثوقين مثل الأكراد كانت بشكل عام ومجرد، مع تجنب متعمد لذكر “قسد” ككيان سياسي أو عسكري محدد، مما يوحي بأن الدعم، إن وجد، أصبح مشروطًا ومؤقتًا ووظيفيًا بحتًا. وبهذا المعنى فإن كلام جراهام لا يتعارض مع كلام بولس، بل يكمله من زاوية مختلفة. الأول يعبر عن إدارة اللحظة ومنع الانفجار، والثاني يكشف عن قناعة متنامية تجري خلف الكواليس بأن الشراكة القديمة وصلت إلى نهايتها. لا تريد واشنطن قطيعة مفاجئة أو فراغاً أمنياً، لكنها أيضاً لم تعد مستعدة لإعطاء غطاء سياسي ومعنوي لقوة تجاهلت التوجيهات الأميركية، وامتنعت عن الانخراط في أي مسار سياسي معترف به دولياً، وتراكمت لديها اتصالات عبر الحدود أصبحت عبئاً على السياسة الأميركية نفسها. ما يحدث اليوم ليس تصفية حسابات، بل إعادة تموضع باردة. إن الولايات المتحدة لا تتخلى عن حلفائها بسبب الانتهاكات وحدها، ولكن عندما يصبح الحليف خارج نطاق السيطرة ضمن الأجندة الأوسع. ومع تغير الأولويات الإقليمية، وعودة الدولة السورية إلى واجهة المشهد، لم يعد هناك مبرر للاستمرار في رعاية كيان مسلح يعيش على منطق الحرب في زمن التسويات. قد تكون قضية أعلام داعش بما تحمله من رمزية سياسية وأخلاقية، هي اللحظة التي سقطت فيها آخر بقايا الثقة، وتحولت فيها قوات سوريا الديمقراطية بشكل كامل من شريك في الحرب إلى ملف إشكالي تبحث واشنطن عن مخرج منه بأقل الخسائر.



