سوريا – “نبدأ من الصفر.” معركة إحياء الأسماك في سهل الغاب

اخبار سوريا23 أبريل 2026آخر تحديث :
سوريا – “نبدأ من الصفر.” معركة إحياء الأسماك في سهل الغاب

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-23 19:44:00

ما إن تصل إلى مشارف قرية قلعة المضيق بريف حماة الغربي، حتى يستقبلك طول سهل الغاب، بين جبلين، تشرق مساماتك تحت أشعة الشمس. وتنتشر أحواض مائية مختلفة الأحجام، صغيرة وكبيرة، على مساحات واسعة من القرى والبلدات تمتد على جانبي الطرق الضيقة. لكن هذا المشهد الذي يبدو من بعيد علامة على عودة الحياة، يخفي واقعا أقسى. خلال سنوات الحرب، تم تدمير هذه المصايد، وكذلك المنازل المحيطة بها. واختفت قنوات الري، ولم يعد من الممكن التعرف على بعضها إلا من خلال أعواد القصب ونقيق الضفادع. أما الآبار، فقد تعطل الكثير منها، بالإضافة إلى أنظمة الطاقة الشمسية التي تركت خارج الخدمة. “نبدأ من الصفر”، بهذه العبارة تحدثنا أصحاب المصايد لتلخيص وضعهم بعد عودتهم من رحلة التهجير القسري. وعادوا لمحاولة تعويض خسائرهم وإحياء مهنة رافقتهم منذ عقود، لكن من دون دعم فعلي، كما يقولون، حتى على مستوى القرارات التي قد تعيدهم إلى المنافسة في سوق “أصبحت الأسماك المجمدة المستوردة تنافس الأسماك الطازجة على موائد السوريين الباحثين عن السعر الأدنى”. ويعتبر سهل الغاب من أهم مناطق الإنتاج السمكي في سوريا إلى جانب محافظات اللاذقية وطرطوس وحلب ودرعا والقنيطرة، إلا أنه يحتفظ بثقله الأكبر في هذا القطاع. وتشير الإحصائيات إلى أن مصايد الغاب كانت تنتج نحو ستة آلاف طن من الأسماك، من المزارع الخاصة والحكومية، تتوزع على نحو 350 مزرعة تمتد على مساحة 6400 دونم، وتنتج أنواعاً أبرزها الكارب، السلور، والأمشاط. لكن الحرب والإهمال دمرت معظم هذه المصايد، ولم يبق من الكثير منها سوى حدود ملكية وآثار وجودها، محاطة بالقصب. العودة إلى البرك. وكان عماد الرجب (اسم مستعار)، من قرية الحويز، من أوائل الذين أعادوا تأهيل مصايده السمكية في القرية بداية العام الماضي. ويقول إنه استنفد كل ماله وطاقته في هذه المحاولة، مثل العديد من أصحاب المصايد في المنطقة. وعند عودته لم يجد أي أثر فعلي لمزرعته. تهدمت الجدران وسرق حديدها، وامتلأت الأحواض وقنوات الري بالتراب والشجيرات والأعشاب بسبب الإهمال ولفترات طويلة، فيما توقف البئر الارتوازي عن العمل بشكل كامل. ويوضح الرجب أنه اضطر إلى تنظيف المصائد السمكية وقنوات الري باستخدام “البجر”، ثم أعاد حفر البئر الارتوازية، وتجهيزه بمحرك ديزل، إلى جانب نظام طاقة شمسية لضمان تشغيله. وفي قرية الحمرا، قام عبد القادر رامود وصديقه بإعادة تأهيل بركة للأسماك كانتا يملكانها معاً. ابتسم وهو يخبرنا أن وقت الصيد قد حان، وفي الوقت نفسه عملوا على تجهيز بركتين أخريين بالقرب من منزله لزراعة «الإصبعيات»، وهي أسماك تجاوزت مرحلة الحساسية الشديدة، مع حلول شهر نيسان/أبريل، وهي الفترة المناسبة لزراعتها. واستأنف الصديقان عملهما بعد عودتهما إلى القرية التي هربا منها قبل سبع سنوات، ويؤكدان أن «ارتباطهما بهذه المهنة يشبه حاجة السمكة إلى الماء». مهنة باهظة الثمن. وتختلف تكلفة إنشاء أحواض الأسماك باختلاف مساحتها وتجهيزاتها، لكن مزارعي الأسماك يوضحون أن المزرعة التي تبلغ مساحتها ثلاثة أفدنة تحتاج إلى نحو 1500 سمكة كارب، بتكلفة تبلغ نحو ألفي دولار. ولا تتوقف النفقات عند هذا الحد، إذ تحتاج المزرعة إلى معدات أساسية لضخ المياه، منها محرك كهربائي يعمل بالطاقة الشمسية، تبلغ تكلفة تشغيله نحو 1500 دولار، بالإضافة إلى محرك ديزل احتياطي تقدر تكلفته بنحو 700 دولار، لضمان استمرار العمل في حال انقطاع التيار الكهربائي. كما يحتاج المربون إلى أدوات أخرى لا غنى عنها، مثل شباك الصيد وسلال تعبئة الأسماك والميزان بتكلفة تقارب 400 دولار، إضافة إلى تكلفة المراقبة اليومية والصيانة الدورية للمحركات الكهربائية والديزل، وتنظيم عملية تصريف المياه للحفاظ على بيئة مناسبة للإنتاج. محاولات…وواقع معقد. من جهة أخرى، تقول الجهات الرسمية إنها بدأت خطوات لتنشيط القطاع. وأكد علاء المواس مدير الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية، أن العمل بدأ بتأهيل المزارع الحكومية في سهل الغاب ووضعها في الخدمة من جديد، مشيراً إلى أنه تم خلال العام الحالي تأهيل معظم أحواض مزارع شذى وعين الطاقة وقلعة المضيق. وأضاف أن الهيئة قامت أيضا بتأهيل مفرخ الأسماك في قلعة المضيق، ليكون جاهزا لإنتاج يرقات بقدرة أعلى من السابق، بالإضافة إلى العمل على دراسات لتنفيذ الاستزراع السمكي المكثف بهدف زيادة الإنتاجية. وبحسب المواس، يجري التواصل مع المنظمات الدولية لتقديم الدعم لمربي الأسماك، من إصبعيات وأعلاف ومصادر طاقة بديلة، بالإضافة إلى خطة مشتركة مع برنامج الغذاء العالمي لإنشاء سوق للأسماك في المنطقة، مما سيساعد على تسويق الإنتاج. لكن هذه الجهود، بحسب المزارعين، لا تزال غير كافية في ظل حجم المشاكل المتراكمة على الأرض. يوضح المواس أن قطاع الاستزراع السمكي في سهل الغاب تعرض لانتكاسة كبيرة بعد نزوح السكان ربيع 2018، حيث فقد المربون مزارعهم وأصولهم الإنتاجية، ما أدى إلى فجوة واضحة في الإنتاج المحلي، خاصة أن مزارع الغاب تشكل ركيزة أساسية في إنتاج أسماك المياه العذبة. مياه ملوثة وخسائر متكررة بالإضافة إلى الدمار، يواجه المزارعون مشكلة خطيرة بنفس القدر تتعلق بنوعية المياه نفسها. وبحسب ما يؤكد مزارعو الأسماك، فإن الممارسات الخاطئة لبعض المربين أدت إلى تلوث قنوات الري والينابيع التي يعتمدون عليها، خاصة في مناطق مثل “عين الطاقة” و”عيون الحمراء”. ويلجأ بعضهم إلى تربية أعداد كبيرة من أسماك السلور في أحواض صغيرة وإطعامها فضلات الدجاج، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الفوسفور وتلوث المياه التي يتم ضخها مرة أخرى إلى قنوات الري. هذا الواقع يضع المزارعين أمام خيارات صعبة: إما الاعتماد على المياه الملوثة التي أدت خلال العام الماضي إلى نفوق كميات كبيرة من الأسماك وتكبيدهم خسائر فادحة، أو اللجوء إلى مياه الآبار، رغم تكلفتها العالية والقيود القانونية التي تعيق الحفر. يقول عماد: “إلى جانب تكلفة الحفر، نحتاج إلى نظام طاقة شمسية يعمل نهاراً، ومولدات ديزل ليلاً، لأن عملية تبادل المياه مستمرة، والأسماك تحتاج إلى نسبة عالية من الأكسجين لتعيش في بيئة مناسبة”. قيود تراخيص ومخالفات غير مضبطة يعزو المواس بقاء عدد كبير من المزارع خارج الخدمة إلى “صعوبات مالية وإدارية”، أبرزها عدم القدرة على ترخيص الآبار الارتوازية، وهو شرط أساسي لترخيص المزارع، إضافة إلى أن عدداً من هذه المزارع تقع ضمن المخططات التنظيمية أو بالقرب منها. في المقابل، يقول المزارعون إن إبلاغ الجهات المعنية بهذه المشاكل لم يؤد إلى حلول ملموسة. وبحسب من التقيناهم، فقد تم مؤخراً الاتفاق مع مربي سمك السلور على منحهم مهلة نهائية والتوقف عن تلويث المياه، لكن من دون قرارات ملزمة أو غرامات واضحة بحق المخالفين. وهذا الفراغ التنظيمي يدفع بعض المربين إلى الاستمرار في استخدام طرق التغذية الرخيصة، مثل فضلات الدجاج، بدلا من الأعلاف الصحية، لتقليل التكاليف، رغم آثارها السلبية على البيئة والإنتاج. ورغم أن دوريات الشرطة تلاحق أحياناً تجار أعلاف الفروج وتضبط بعض السيارات المخالفة، إلا أن الرقابة على مجاري الأنهار وقنوات الري لا تزال ضعيفة، ما سمح بتوسع المخالفات دون ردع فعال، على حساب بقية المزارعين الذين يعتمدون على المياه النظيفة في الإنتاج. مخاطر صحية وأمراض غير معروفة ويحذر المواس من أن استخدام مخلفات المسالخ لتغذية الأسماك قد يؤدي إلى نقل أمراض مثل السالمونيلا، حتى لو لم تسجل إصابات حتى الآن، مؤكدا أن استخدام هذه المواد دون معالجة حرارية يعد مخالفا للمعايير الدولية. ويشير إلى أن الهيئة تعمل حاليا على تشغيل مصنع لإنتاج الأعلاف المخصصة للأسماك، والذي من المتوقع أن يبدأ العمل به قريبا، بهدف خفض التكاليف وتحسين جودة الإنتاج. لكن المشكلة لا تتوقف عند الأعلاف الملوثة وحدها. وبحسب المزارعين، شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة نفوق كميات كبيرة من الأسماك لأسباب غير واضحة، ما سبب لهم خسائر إضافية، دون تعويض أو دعم فعلي. بالنسبة للعديد من المربين، عند التنافس مع المستورد، فإن الخسائر لا تتوقف عند الأمراض أو المياه أو تكاليف التشغيل، بل تمتد إلى السوق نفسه. ويقول عماد الرجب إن المربين فقدوا خلال الفترة الأخيرة أطنانا من الأسماك بسبب موتها المفاجئ، دون معرفة الأسباب الدقيقة، ودون الحصول على أي تعويض أو دعم من الجهات الحكومية. لكن ما يزيد من شعورهم بالخسارة، بحسب قوله، هو دخول الأسماك المستوردة إلى الأسواق بأسعار أقل، في وقت لا يكادون يحاولون فيه استعادة جزء من طاقتهم الإنتاجية. ويؤكد علاء المواس أن استيراد الأسماك المجمدة بأسعار منخفضة يؤثر بشكل مباشر على المنتج المحلي، موضحا أن تكلفة إنتاج الطن الواحد من الأسماك المحلية تتراوح بين 3000 و4000 دولار، فيما يباع السمك المستورد بنحو 2.5 دولار للكيلوغرام الواحد. ويضيف أن الهيئة تعمل بالتنسيق مع وزارة الزراعة على تنظيم مواعيد الاستيراد بما لا يضر المربين خلال الموسم التسويقي، في محاولة لتقليل تأثير المنافسة على المنتج المحلي. ومن البيض إلى التسويق، تمر دورة تربية الأسماك بعدة مراحل متتالية، تبدأ بتفريخ البيض المخصب في حاضنات خاصة، ثم نقل الزريعة إلى أحواض ترابية حيث تنمو فيها لمدة ثلاثة أشهر قبل بيعها. وفي العام التالي تبدأ مرحلة التسمين، حيث تتم زراعة حوالي ألفي كتكوت في الدونم الواحد، وتصبح الأسماك جاهزة للبيع بعد حوالي ثمانية أشهر. وتتم بعد ذلك عملية الصيد عن طريق خفض منسوب المياه داخل البرك، ومن ثم يتم نقل الأسماك إلى الأسواق أو بيعها مباشرة للتجار. يقول عبد العزيز، تاجر أسماك وصاحب مركز “أفاميا” لتجارة الجملة والمفرق في باب الطاقة بريف حماة، إن الأسعار عادة ما تحدد حسب السوق وبالاتفاق بين الطرفين. وأوضح أن “سعر سمك الكارب يبلغ نحو 6 دولارات، فيما يباع سمك السلور بنحو 1.4 دولار، أما السمك المشط فيختلف سعره بحسب حجمه، إذ يزيد كلما كبر السمك”. مطالبات بإعادة المهنة وأمام هذه التعقيدات يطالب مزارعو الأسماك بمجموعة من الإجراءات التي يرونها ضرورية لإنعاش القطاع واستعادة جزء من قدرته على الاستمرار. وفي مقدمة هذه المطالب الحد من استيراد الأسماك لحماية المنتج المحلي، وتوفير الكهرباء للمزارع بسعر مدعوم، والسماح بإصلاح الآبار المتضررة ومد خطوط كهربائية جديدة. كما يطالبون بتوفير الأعلاف والمازوت والأدوية البيطرية بأسعار مدعومة، وتوفير البذور المقاومة للأمراض وسريعة النمو، بالإضافة إلى فتح مراكز صحية مجهزة بمختبرات لمعالجة الأسماك. ولا تتوقف المطالب عند هذا الحد، إذ يؤكد المزارعون أيضاً ضرورة تقديم قروض ميسرة بدون فوائد، وتعويض مراكز الكهرباء المسروقة، وتأمين المعدات اللازمة بالتقسيط، والسماح باستخدام آليات هيئة تنمية الغابات لخدمة المزارع مقابل تكاليف تشغيلها فقط. لا يبدو أن إعادة مصائد الأسماك في سهل الغاب إلى وضعها السابق مسألة وقت فحسب، بل هي معركة يومية مع الكهرباء والماء والطاقة والتلوث والكلفة، في منطقة تحاول استئناف إحدى مهنها العريقة بعد سنوات من الانقطاع والدمار. وإلى أن تتوفر حلول أكثر جدية، يواصل مزارعو الأسماك العمل ضمن قدراتهم المحدودة، واضعين ثقتهم في موسم قد ينجو من الأمراض والمياه الملوثة والأسماك المجمدة، ويمنحهم فرصة جديدة للبقاء… أو قد لا ينجو. تم إنتاج هذا التقرير ضمن ورشة عمل صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.

سوريا عاجل

“نبدأ من الصفر.” معركة إحياء الأسماك في سهل الغاب

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#نبدأ #من #الصفر #معركة #إحياء #الأسماك #في #سهل #الغاب

المصدر – قضايا 24 | SY24